مع تراجع ساعات النهار ودخول الأجواء الخريفية، قد يلاحظ بعض الأشخاص تغيرًا في حالتهم النفسية، بدءًا من انخفاض النشاط وفقدان الحافز، وصولًا إلى اضطرابات في النوم والشهية والميل إلى العزلة. وبينما يمر البعض بهذه المرحلة بصورة عابرة، قد تتطور الأعراض لدى آخرين إلى ما يعرف بـ"الاضطراب العاطفي الموسمي"الذي يرتبط بتغير الفصول ويتكرر في أوقات محددة من العام.
وتوضح أخصائية الاستشارات النفسية والأسرية والتربوية زينب الذيب أن مصطلح "اكتئاب الخريف" يُستخدم لوصف الأعراض الاكتئابية التي تظهر مع بداية فصل الخريف وتتكرر موسميًا، فيما تعد التسمية الطبية الأدق هي "الاضطراب العاطفي الموسمي" وهو حالة نفسية معترف بها طبيًا، وليست مجرد حالة من الكسل أو المزاج السيئ.
وتشير الذيب إلى أن الأعراض قد تظهر على شكل تراجع في المزاج، وفقدان الاهتمام بالأشياء المعتادة، إلى جانب الخمول وقلة الطاقة، وزيادة النوم، وتغير الشهية، وصعوبة التركيز والانسحاب من المحيط الاجتماعي، الأمر الذي قد يجعل الشخص أقل قدرة على ممارسة مهامه اليومية بالشكل المعتاد.
ولا يتأثر الجميع بتغير الفصول بالطريقة ذاتها، إذ تبين الذيب أن هناك مجموعة من العوامل التي قد تجعل بعض الأشخاص أكثر حساسية لهذه التغيرات، من بينها العوامل الوراثية، وطبيعة الساعة البيولوجية، والحساسية تجاه تغير مستويات الضوء، فضلًا عن وجود تاريخ سابق مع الاكتئاب أو اضطرابات المزاج.
وترتبط هذه التغيرات، بحسب الذيب، بانخفاض التعرض للضوء الطبيعي خلال فترات الخريف والشتاء، إذ يمكن أن يؤثر ذلك في الساعة البيولوجية المسؤولة عن تنظيم النوم والمزاج، إلى جانب حدوث تغيرات في بعض الأنظمة الكيميائية والهرمونية في الجسم، ما قد ينعكس على مستوى الطاقة والحالة النفسية.
من جانبها، توضح استشارية العلاج النفسي والسلوكي الدكتورة أمل الكردي أن الاضطراب العاطفي الموسمي لا يظهر فقط على شكل حزن، بل قد يمتد إلى فقدان المتعة، وصعوبة الاستيقاظ، وضعف التركيز، والانسحاب الاجتماعي، إضافة إلى زيادة الشهية أو الميل إلى تناول النشويات والحلويات.
وتلفت الكردي إلى أن العلاقة بين الضوء والمزاج ترتبط أيضًا بمواد كيميائية وهرمونات لها دور في تنظيم النوم والحالة النفسية، مثل الميلاتونين والسيروتونين، الأمر الذي قد يفسر شعور بعض الأشخاص بانخفاض الطاقة والمزاج مع قصر ساعات النهار.
وفي هذا السياق، تفرق الكردي بين التقلبات النفسية الطبيعية وبين الاضطراب العاطفي الموسمي؛ فالحزن أو الخمول العابر غالبًا ما يكون مؤقتًا ولا يترك تأثيرًا واضحًا في حياة الشخص، بينما تكون أعراض الاضطراب الموسمي أكثر استمرارًا ووضوحًا، وتتكرر خلال موسم معين، وقد تنعكس على النوم والعمل أو الدراسة والعلاقات والقدرة على ممارسة النشاطات اليومية.
وتشير إلى أن احتمالية ظهور هذه الحالة تكون أعلى لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ سابق مع الاكتئاب أو اضطرابات المزاج، أو تاريخ عائلي مشابه، إضافة إلى الأشخاص الأكثر حساسية للتغيرات المرتبطة بالضوء والنوم.
وبعيدًا عن العلاج، تؤكد الكردي أن بعض الخطوات اليومية قد تساعد في الحد من الأعراض، من بينها الحرص على التعرض للضوء الطبيعي خلال النهار، وتنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ، وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على التواصل الاجتماعي، إلى جانب اتباع نظام غذائي متوازن.
وفي الحالات التي تكون فيها الأعراض واضحة أو متكررة، قد يحتاج الشخص إلى تدخل متخصص، حيث يمكن أن تشمل الخيارات العلاجية العلاج النفسي أو العلاج بالضوء، وأحيانًا العلاج الدوائي وفق تقييم الطبيب المختص.
وتشدد الكردي على أن اللجوء إلى المختص يصبح أكثر أهمية عندما تستمر الأعراض أو تتكرر بصورة تؤثر في الحياة اليومية، أو عندما يفقد الشخص اهتمامه بالأشياء التي كان يستمتع بها، أو تظهر تغيرات ملحوظة في النوم والشهية والطاقة والتركيز.
أما ظهور أفكار تتعلق بالموت أو إيذاء النفس، فتعد، بحسب الكردي، مؤشرًا يستدعي الحصول على تقييم ومساعدة نفسية عاجلة، وعدم انتظار تحسن الأعراض تلقائيًا.
وبينما يبقى تغير المزاج مع تبدل الفصول أمرًا قد يمر به كثيرون بدرجات متفاوتة، فإن استمرار الأعراض وتأثيرها في تفاصيل الحياة اليومية يستدعيان الانتباه وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد كسل أو حالة مؤقتة؛ فمراقبة التغيرات النفسية والتعامل معها مبكرًا قد يكونان خطوة أساسية نحو الحفاظ على الصحة النفسية.





