1.6 مليار دينار مساهمة قطاع النقل في الناتج المحلي الإجمالي
93.6 ألف عامل يقودون أحد أكبر القطاعات التشغيلية في المملكة
0.4 مليار دينار صادرات النقل والخدمات اللوجستية
9.8 مليار دينار خدمات لوجستية تدعم الصادرات الأردنية
5.2% معدل نمو القطاع خلال 11 عامًا متجاوزاً نمو الاقتصاد
75% زيادة متوقعة في الطاقة الإنتاجية لمحطة حاويات العقبة
0.08% حصة السكك الحديدية من الناتج الاقتصادي لقطاع النقل
صدى الشعب – راكان الخريشا
لم يعد قطاع النقل والخدمات اللوجستية مجرد وسيلة لنقل الأشخاص والبضائع، بل أصبح أحد أهم المحركات التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة لرفع مستويات الإنتاج، وتعزيز التجارة، واستقطاب الاستثمارات، وتحقيق التكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية. وفي الأردن، تضع رؤية التحديث الاقتصادي هذا القطاع في موقع متقدم ضمن القطاعات الممكنة للنمو، انطلاقًا من قناعة بأن تطوير منظومة النقل لا ينعكس على القطاع نفسه فحسب، وإنما يمتد أثره إلى الصناعة والتجارة والسياحة والزراعة والخدمات، ويؤثر بصورة مباشرة في تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويستند هذا التوجه إلى ما يتمتع به الأردن من موقع جغرافي استراتيجي يربط بين دول المشرق العربي ودول مجلس التعاون الخليجي، ويشكل نقطة عبور باتجاه مصر وشمال إفريقيا، كما يوفر منفذًا مهمًا نحو الأسواق الأوروبية والتركية، وهو ما يمنح المملكة فرصة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية إذا ما اقترن هذا الموقع ببنية تحتية حديثة وتشريعات مرنة وخدمات عالية الكفاءة.
وتشير بيانات رؤية التحديث الاقتصادي إلى أن قطاع النقل يسهم بما يقارب 1.6 مليار دينار في الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس الوزن الاقتصادي للقطاع ودوره في دعم النشاط الاقتصادي بمختلف مكوناته.
ولا تقتصر أهمية القطاع على مساهمته في الناتج المحلي، بل تمتد إلى سوق العمل، إذ يوفر فرص عمل لنحو 93.6 ألف عامل، يمثلون 5.9% من إجمالي العاملين في المملكة، الأمر الذي يجعله أحد القطاعات الرئيسة في استيعاب القوى العاملة، إلى جانب دوره في دعم القطاعات الأخرى التي تعتمد بصورة مباشرة على خدمات النقل والخدمات اللوجستية.
وتبين البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي لكل عامل في القطاع يبلغ نحو 17.5 ألف دينار، وهو أقل بنسبة 8% من المتوسط العام في المملكة، وهو مؤشر يعكس الحاجة إلى رفع الإنتاجية من خلال تحديث الخدمات، والاستثمار في التكنولوجيا، ورفع كفاءة العاملين، وتطوير أساليب إدارة عمليات النقل والخدمات اللوجستية.
أما على صعيد التجارة الخارجية، فتبلغ صادرات القطاع نحو 0.4 مليار دينار، بما يعادل 3.6% من إجمالي الصادرات، فيما تمتد مساهمة خدمات النقل والخدمات اللوجستية إلى جميع العمليات التصديرية تقريبًا، والتي تقدر قيمتها بحوالي 9.8 مليار دينار، ما يؤكد أن كفاءة النقل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأردنية، وخفض كلف الإنتاج، وتسريع وصول المنتجات إلى الأسواق الخارجية.
وتوضح الرؤية أن الولايات المتحدة الأميركية، والهند، والمملكة العربية السعودية تشكل أبرز الشركاء التجاريين للأردن في حركة الصادرات، الأمر الذي يجعل من تطوير منظومة النقل والخدمات اللوجستية ضرورة لتعزيز انسياب التجارة مع هذه الأسواق، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد.
ورغم ما يمتلكه القطاع من مقومات، فإن الواقع الحالي يكشف عن مجموعة من التحديات التي تحد من الاستفادة الكاملة من إمكاناته. فالقطاع يعد مساهمًا فاعلًا في التوظيف والناتج المحلي الإجمالي، كما أن الموقع الجغرافي للمملكة يمنحه فرصة حقيقية ليكون مركزًا إقليميًا للنقل والتنقل، إلا أن هذه المزايا ما تزال بحاجة إلى استثمارات وإصلاحات تمكنها من التحول إلى قيمة اقتصادية مضافة.
وتشير الرؤية إلى أن الخطط والاستراتيجيات الخاصة بقطاع النقل موجودة بالفعل، إلا أن تنفيذها ما يزال محدودًا، الأمر الذي يحد من سرعة تطوير القطاع، ويؤخر تحقيق الأهداف المرجوة في رفع كفاءة خدمات النقل وربط مختلف أنماطه ضمن منظومة متكاملة.
وفي المقابل، يمتلك الأردن أصولًا استراتيجية مهمة تشكل نقطة انطلاق لأي عملية تطوير مستقبلية، إذ يحظى مطار الملكة علياء الدولي بمكانة عالمية بعد حصوله على العديد من الجوائز، ما يعكس مستوى الخدمات التي يقدمها، ويعزز مكانة المملكة في قطاع النقل الجوي.
كما يشكل ميناء العقبة أحد أهم الأصول الاستراتيجية في المملكة، بوصفه المنفذ البحري الوحيد للأردن، والحلقة الرئيسة في حركة الاستيراد والتصدير، إلى جانب دوره في دعم التجارة الإقليمية وربط الأسواق الداخلية بالأسواق الخارجية، الأمر الذي يجعل تطوير خدماته ورفع كفاءته أولوية اقتصادية ذات أثر مباشر على مختلف القطاعات الإنتاجية.
لكن هذه المقومات تقابلها تحديات تتعلق بالبنية التحتية، حيث تشير بيانات الرؤية إلى تردي أوضاع الطرق والسكك الحديدية، الأمر الذي ينعكس على كفاءة النقل، ويرفع كلف التشغيل، ويؤثر في سرعة حركة البضائع والأفراد، ويحد من قدرة الأردن على المنافسة كمركز لوجستي إقليمي.
كما يواجه القطاع تحديًا آخر يتمثل في تجزؤ منظومة النقل، إلى جانب محدودية التمويل الحكومي، وعدم كفاية الحوافز المخصصة لاستقطاب استثمارات القطاع الخاص، وهو ما يقلل من سرعة تنفيذ المشاريع الكبرى اللازمة لتطوير القطاع وتحسين خدماته.
ولا تقف التحديات عند حدود التمويل أو البنية التحتية، بل تمتد إلى طبيعة أنماط التنقل داخل المدن. فبحسب رؤية التحديث الاقتصادي، ما يزال الاعتماد على السيارات الخاصة مرتفعًا نتيجة محدودية وسائل النقل العام، وهو ما يؤدي إلى زيادة الازدحامات المرورية، وارتفاع مستويات التلوث، وزيادة استهلاك الوقود، ورفع الكلف الاقتصادية التي تتحملها الأسر والقطاعات الإنتاجية نتيجة الوقت المهدور على الطرق.
كما تشكل إجراءات التخليص الجمركي أحد المحاور التي تحتاج إلى مزيد من التطوير، إذ تشير الرؤية إلى أن بطء عمليات التخليص يعود إلى طول الفترة الزمنية التي تستغرقها إجراءات الفحص وأخذ العينات، وهو ما يؤثر في سرعة حركة البضائع ويزيد من كلف التخزين والنقل، خاصة بالنسبة للسلع المرتبطة بمدد زمنية محددة.
وفي هذا الإطار، تؤكد رؤية التحديث الاقتصادي أن تطوير قطاع النقل لا يقتصر على إنشاء الطرق أو تحديث وسائل النقل، وإنما يرتبط أيضًا بتبسيط التشريعات، وتطوير الأنظمة الإدارية، وتطبيق الحلول الرقمية التي ترفع كفاءة الخدمات، وتختصر الوقت والجهد، وتوفر بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين.
وتبرز الإمكانات الاستراتيجية للقطاع من خلال عدد من الأولويات التي وضعتها الرؤية، وفي مقدمتها تعزيز البنية التحتية لقطاع النقل، وتبسيط التشريعات والإجراءات بما يحقق انسيابية أكبر لحركة الأشخاص والبضائع، إلى جانب الاستفادة من الموقع الجغرافي للمملكة لتوفير ممرات عبور قارية تخدم الأسواق الإقليمية، وتربط الأردن بشبكات التجارة الدولية.
كما تركز الرؤية على توسيع قدرات المملكة في مجال نقل البضائع، وتحديث العمليات اللوجستية بما يضمن تقديم خدمات أكثر استدامة وكفاءة داخل الأردن وخارجه، بما يعزز النشاط التجاري ويخدم مختلف القطاعات الاقتصادية التي تعتمد بصورة مباشرة على النقل والخدمات اللوجستية.
وتشير مستهدفات الأثر الاقتصادي المباشر إلى تحقيق نمو سنوي في العمالة بالقطاع بنسبة 4.5%، وصولًا إلى نحو 64.8 ألف موظف بدوام كامل، إلى جانب تحقيق نمو سنوي في مساهمة القطاع بالناتج المحلي الإجمالي يتجاوز 5% ليصل إلى أكثر من 1.3 مليار دينار، فضلاً عن نمو الناتج المحلي الإجمالي لكل عامل بأكثر من 0.5% سنويًا وبما يزيد على 1.1 ألف دينار، إضافة إلى نمو الصادرات بأكثر من 8% سنويًا لتتجاوز 0.5 مليار دينار.
وتعكس هذه المستهدفات الرغبة في رفع كفاءة القطاع وتحسين إنتاجيته، بما يسهم في زيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني، ويعزز قدرته على استقطاب المزيد من الاستثمارات، وخلق فرص العمل، ودعم تنافسية الأردن في قطاع الخدمات اللوجستية.
وتوضح بيانات الرؤية أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية حقق نموًا في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.2% سنويًا خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2021، مقارنة مع نمو الاقتصاد الأردني البالغ 2.4% سنويًا خلال الفترة نفسها، وهو ما يشير إلى أن القطاع حقق معدلات نمو تفوقت على متوسط النمو الاقتصادي، رغم التحديات الاقتصادية التي واجهتها المملكة خلال تلك السنوات.
أما على صعيد سوق العمل، فتظهر البيانات أن 99.1% من القوى العاملة في القطاع هي عمالة أردنية، وهو ما يعكس اعتماد القطاع بصورة شبه كاملة على الكفاءات الوطنية، ويحد في الوقت ذاته من فرص إحلال العمالة الأردنية محل العمالة الأجنبية.
وفي المقابل، لا تزال مشاركة المرأة في القطاع محدودة، إذ تبلغ نسبة الإناث العاملات 3.4% فقط، وهو ما تعزوه الرؤية إلى طبيعة العديد من المهن المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية، مع الإشارة إلى أن التحول الرقمي والتطورات التكنولوجية قد يسهمان في رفع مشاركة المرأة خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في الوظائف التقنية والإدارية والرقمية.
وتبرز أهمية القطاع كذلك في كونه أحد الممكنات الرئيسة لحركة التجارة الخارجية، إذ لا تقتصر مساهمته على قيمة صادراته المباشرة، وإنما تمتد إلى تقديم خدمات النقل والخدمات اللوجستية لجميع العمليات التصديرية التي تقدر قيمتها بنحو 9.8 مليار دينار، الأمر الذي يجعل أي تحسن في كفاءة النقل ينعكس بصورة مباشرة على تنافسية الصادرات الأردنية، وسرعة وصولها إلى الأسواق العالمية، وخفض كلفها التشغيلية.
وتؤكد رؤية التحديث الاقتصادي أن الأردن يمتلك مجموعة من نقاط القوة التي تمنحه فرصة حقيقية للتحول إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية إذا ما جرى استثمارها بالشكل الأمثل. ويأتي في مقدمة هذه المقومات الموقع الجغرافي الذي يربط بلاد الشام بدول مجلس التعاون الخليجي ومصر وشمال إفريقيا، إضافة إلى ارتباطه بالأسواق الأوروبية والتركية، وهو ما يجعل المملكة ممراً تجارياً مهماً لحركة البضائع والمسافرين، ويمنحها ميزة تنافسية يمكن البناء عليها لتعزيز النمو الاقتصادي.
وتشير الرؤية إلى أن مساهمة قطاع النقل والخدمات اللوجستية تصل إلى نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي عند احتساب دوره الممكن في دعم القطاعات الاقتصادية الأخرى، وهو ما يعكس مكانته كعامل تمكين رئيس للنمو الاقتصادي، وليس مجرد قطاع خدمي مستقل.
كما تسلط الرؤية الضوء على التحسن الذي شهدته إجراءات التخليص الجمركي من خلال تطبيق نظام النافذة الواحدة، باعتباره خطوة تسهم في تبسيط الإجراءات ورفع كفاءة الخدمات، إلى جانب وجود خطط لتطوير منظومة السكك الحديدية، وتعزيز الربط بين المدن، والتوسع في أنظمة الحافلات الترددية بما يواكب احتياجات النمو السكاني والتوسع العمراني.
ومن عناصر القوة كذلك أن القطاع يوفر فرص عمل لما يقارب 125 ألف شخص، الأمر الذي يعكس دوره في دعم سوق العمل، إضافة إلى التطور المستمر في أداء محطة حاويات العقبة، حيث تشير الرؤية إلى أن التحسينات المستهدفة ستؤدي إلى زيادة الطاقة الإنتاجية بنسبة 75%، بما يعزز قدرة المملكة على استيعاب المزيد من حركة التجارة الإقليمية والدولية.
كما ترى الرؤية أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمثل إحدى الركائز الأساسية لتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية، في ظل الحاجة إلى استثمارات كبيرة في مشاريع البنية التحتية، وتطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والنقل العام، بما يضمن تسريع تنفيذ المشاريع ورفع جودة الخدمات.
وفي المقابل، لا تزال هناك مجموعة من التحديات التي تتطلب معالجات متدرجة لضمان تحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي. ويأتي في مقدمة هذه التحديات محدودية التمويل الحكومي، الأمر الذي ينعكس على تنفيذ المشاريع، واستقطاب الكفاءات والخبرات اللازمة لإدارة وتطوير القطاع.
كما تؤكد الرؤية الحاجة إلى تنفيذ إصلاحات تشريعية وتنظيمية تعزز الشفافية، وترفع كفاءة القطاع، وتوفر بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، إلى جانب معالجة عدم التكامل بين تخطيط النقل واستخدامات الأراضي، وهو ما يؤدي إلى أنماط تنقل غير مستدامة ويزيد من الضغط على البنية التحتية القائمة.
ويبرز التحول الرقمي بوصفه أحد أهم متطلبات المرحلة المقبلة، حيث تؤكد الرؤية ضرورة تعميم الحلول الرقمية في مختلف مكونات القطاع، خاصة في عمليات التخليص الجمركي، وفحص البضائع، وإدارة الخدمات اللوجستية، بما ينسجم مع التوجهات العالمية نحو الأتمتة ورفع كفاءة الخدمات.
وتدعو الرؤية كذلك إلى إنشاء هيئة إدارية مركزية لقطاع النقل والخدمات اللوجستية، تتولى تنسيق السياسات والخطط والاستراتيجيات بين مختلف الجهات المعنية، بما يعزز تكامل منظومة النقل ويحد من تداخل الصلاحيات.
وفي الجانب البيئي، تشدد الرؤية على أهمية تعزيز التخطيط الحضري، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وتوظيف التقنيات الحديثة لتحقيق تنمية مستدامة في قطاع النقل، بما يحد من الانبعاثات ويحسن كفاءة استخدام الموارد.
وتلفت الرؤية إلى أن قطاع السكك الحديدية ما يزال يشكل الحلقة الأضعف في منظومة النقل، إذ لا يمثل ناتجه الاقتصادي سوى 0.08% من إجمالي الناتج الاقتصادي لقطاع النقل، إضافة إلى افتقاره للارتباط بمرافق الموانئ الجديدة، وهو ما يبرز الحاجة إلى إعادة بناء هذا القطاع وتطويره ليصبح جزءاً أساسياً من شبكة النقل الوطنية.
وفي المحصلة، تكشف مؤشرات رؤية التحديث الاقتصادي أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يقف أمام فرصة حقيقية للتحول إلى أحد أبرز محركات الاقتصاد الوطني، مستفيداً من الموقع الجغرافي للمملكة وما تمتلكه من أصول استراتيجية، وفي مقدمتها ميناء العقبة ومطار الملكة علياء الدولي. إلا أن تحقيق هذه الغاية يبقى مرتبطاً بتطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الخدمات، واستكمال الإصلاحات التشريعية والتنظيمية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يمكن القطاع من أداء دوره بوصفه شرياناً حيوياً للتجارة والاستثمار والتنمية، ورافعة رئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.












