صدى الشعب – راكان الخريشا
في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات الدولية على تراجع حرية الصحافة عالمياً، يضع تقرير الأردن أمام اختبار صعب لا يحتمل التجميل أو التبرير فالمؤشر الذي يصنّف الدول وفق بيئة العمل الإعلامي، لم يكتفِ بإبقاء الأردن في مراتب متأخرة، بل أعاد تسليط الضوء على فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التحديث والانفتاح، وبين واقع مهني يرزح تحت ثقل التشريعات والرقابة الذاتية والضغوط المتراكمة.
وفي هذا السياق قال الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين، نضال منصور، إن مؤشر مراسلون بلا حدود يشير إلى أن الأردن تقدم خمس درجات عن العام الماضي، وأصبح يحتل المرتبة 142 من بين دول العالم التي يرصدها المؤشر، وإذا طُرح السؤال حول ما إذا كانت هذه المكانة جيدة، فالإجابة بكل وضوح لا، لا يستحق الأردن هذه المرتبة، بل يستحق موقعًا أفضل بكثير.
وأضاف منصور هذا التقييم لا يعني بالضرورة وجود انتهاكات جسيمة بحق الصحفيين في الأردن، فلا توجد حالات قتل للصحفيين أو إخفاء قسري أو تعذيب ممنهج، لا سمح الله لكن في المقابل، هناك تحديات حقيقية أخرى لا تقل أهمية، ويمكن معالجتها إذا توفرت إرادة واضحة وخطة عمل متكاملة لتحسين البيئة الإعلامية.
وأوضح منصور أن أبرز التحديات تتمثل في الإشكالية المزمنة المتجددة المتعلقة بالتشريعات والقوانين، قائلاً أحيانًا تُستخدم النصوص القانونية كأداة للتقييد بدل أن تكون أداة للتنظيم والتطوير. لذلك نحن بحاجة إلى حوار جاد بين البرلمان والحكومة والوسط الصحفي، لإعادة مراجعة القوانين وتحديد المواد ذات الأولوية للتعديل بما يعزز حرية العمل الإعلامي ويحسن بيئته القانونية.
وأشار منصور إلى أن التحدي الآخر يرتبط بصناعة الإعلام نفسها، موضحاً لا نملك حتى الآن صناعة صحفية متكاملة وقادرة على الاستدامة العديد من المؤسسات الإعلامية تعاني، والصحافة اليومية تواجه أزمة غير مسبوقة، فيما تعاني الصحافة الورقية منذ أكثر من عقد، وحتى المشاريع الإعلامية الكبرى التي أُطلقت تبقى محدودة، ما يطرح سؤالاً جوهرياً أين هي صناعة الإعلام القادرة على دعم الصحفيين وتوفير الأمن الوظيفي لهم.
وفيما يتعلق بالحريات الإعلامية، قال منصور لدينا هامش من الحرية، لكنه يتسع أحيانًا ويضيق أحياناً أخرى تبعًا للتوجهات والظروف، والسؤال الأهم كيف نحافظ على هذا الهامش وكيف نضمن استقلالية المؤسسات الإعلامية وكيف نوقف أي تدخلات قد تمس عملها المهني.
وشدد منصور منذ بداية عهد جلالة الملك عبد الله الثاني عام 1999، كان التأكيد واضحاً على أن ‘حرية الصحافة حدودها السماء’ واليوم، يبقى التحدي الحقيقي في كيفية ترجمة هذا التوجيه إلى واقع عملي ملموس.
وأكد منصور أن وجود إرادة سياسية واضحة وحاسمة كفيل بإحداث نقلة نوعية ليس فقط في مؤشرات حرية الصحافة، بل في مسار التحديث السياسي برمته، بما يشمل الأحزاب والعمل المدني وكافة مسارات الإصلاح، مضيفاً المطلوب اليوم أن تتحول منظومة التحديث السياسي خلال السنوات الخمس المقبلة إلى قاعدة صلبة يمكن البناء عليها في مختلف المجالات.






