صدى الشعب – راكان الخريشا
في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات الدولية على تراجع حرية الصحافة عالمياً، يضع تقرير الأردن أمام اختبار صعب لا يحتمل التجميل أو التبرير فالمؤشر الذي يصنّف الدول وفق بيئة العمل الإعلامي، لم يكتفِ بإبقاء الأردن في مراتب متأخرة، بل أعاد تسليط الضوء على فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التحديث والانفتاح، وبين واقع مهني يرزح تحت ثقل التشريعات والرقابة الذاتية والضغوط المتراكمة.
وفي هذا السياق قالت مسؤولة برامج الاتصال والمعلومات في مكتب اليونسكو في الأردن، إخلاص الخوالدة، إن اليونسكو تنظر إلى البيئة الإعلامية باعتبارها منظومة متكاملة تتداخل فيها عدة عناصر أساسية، تشمل الإطار القانوني والتنظيمي، واستقلالية الإعلام، والتعددية، وسلامة الصحفيين، والاستدامة الاقتصادية، إلى جانب الحق في الحصول على المعلومات، والقدرة على مواكبة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بأسلوب مهني وأخلاقي، وتشير إلى أن مؤشرات تطوير الإعلام لدى المنظمة لا تقتصر على قياس عدد وسائل الإعلام أو المنصات، بل تمتد لتقييم مدى إتاحة بيئة حرة ومستقلة وتعددية قادرة على خدمة النقاش العام وتعزيز المساءلة.
وفيما يتعلق بالأردن، ترى الخوالدة أن الصورة العامة “مركّبة”، إذ تتضمن جوانب إيجابية يمكن البناء عليها، من بينها وجود مشهد إعلامي قائم ومتعدد، وتوسع ملحوظ في المنصات الرقمية، إلى جانب وجود مؤسسات إعلامية عامة وخاصة، فضلاً عن انفتاح نسبي لدى بعض الجهات الرسمية على الحوار والتعاون مع وسائل الإعلام، كما تشير إلى أن التحول الرقمي أتاح فرصًا مهمة أمام الإعلام الأردني لتطوير أدواته، والوصول إلى جمهور أوسع، وإنتاج محتوى أكثر تنوعًا، بما في ذلك البودكاست والفيديوهات القصيرة والتحليلات الرقمية، وصولًا إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.
لكنها في المقابل تؤكد أن البيئة الإعلامية ما تزال تواجه تحديات واضحة تؤثر على قدرتها في أداء دورها بحرية واستقلال، وفي مقدمتها الإطار القانوني، والرقابة الذاتية، والاستدامة المالية، إضافة إلى تفاوت الجاهزية الرقمية والمؤسسية لدى بعض المؤسسات الإعلامية. وتوضح أن حرية الصحافة لا تُقاس فقط بتعدد وسائل الإعلام، بل بقدرة الصحفيين على طرح الأسئلة الصعبة وتناول القضايا العامة ضمن بيئة مهنية آمنة ومسؤولة.
وتشدد الخوالدة على أن مفهوم سلامة الصحفيين في منظور اليونسكو لا يقتصر على الحماية الجسدية فقط، بل يشمل أيضًا الحماية من الترهيب والضغط والملاحقات القانونية والعنف الرقمي، فضلًا عن ظاهرة الرقابة الذاتية ومكافحة الإفلات من العقاب. وتضيف أن أي نقاش حول حرية الإعلام يجب أن يتجاوز البعد الأمني المباشر ليشمل الشعور العام بالأمان المهني، ومدى قدرة الصحفي على ممارسة عمله دون خوف أو تردد.
وفي سياق متصل، تدعو إلى التعامل مع القوانين الناظمة للعمل الإعلامي بروح إصلاحية مستمرة، لا تكتفي بالتعديل الشكلي، بل تتابع أثر التشريعات على أرض الواقع، من خلال الاستماع إلى الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني، وتقييم مدى انسجام التطبيق مع الحق في التعبير والوصول إلى المعلومات.
وتؤكد أنه في حال أظهرت الممارسة أن بعض النصوص القانونية تُستخدم بطريقة تحد من العمل الصحفي أو تعزز الرقابة الذاتية، فإن إعادة فتح النقاش حولها يصبح ضرورة طبيعية ضمن عملية تطوير مستمرة.
كما تلفت إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه الإعلام الأردني، والمتمثلة في ضعف الموارد وتراجع العائدات الإعلانية، ما يحد من قدرة المؤسسات الإعلامية على الاستثمار في الصحافة النوعية والتحقيقات والتكنولوجيا وبناء القدرات. وتضيف أن هذا الواقع ينعكس أيضًا على وتيرة تبني أدوات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، التي ما تزال متفاوتة بين المؤسسات بسبب محدودية الإمكانيات ونقص التدريب والتأهيل، إلى جانب اعتبارات أخلاقية ومؤسسية مرتبطة باستخدام هذه التقنيات.
وتشير الخوالدة إلى أن هذه التحديات لا تقتصر على الأردن، بل تأتي ضمن سياق عالمي أوسع، حيث ترصد اليونسكو تراجعًا في حرية التعبير عالميًا بنحو 10% منذ عام 2012، إلى جانب ارتفاع مستويات الرقابة الذاتية وتزايد الضغوط القانونية والاقتصادية والرقمية على وسائل الإعلام.
وأكدت الخوالدة أن التعامل مع ملف حرية الإعلام يجب أن يقوم على الشجاعة في الاعتراف بالتحديات والعمل على معالجتها، باعتبار أن الإعلام الحر يشكل ركيزة أساسية في حماية المصلحة الوطنية، ويُعد خط الدفاع الأول في مواجهة الفساد وتصويب المسارات العامة. كما تشدد على أهمية التعامل مع المؤشرات الدولية لحرية الصحافة بموضوعية، بعيدًا عن الانتقائية، من خلال فهم منهجياتها وتحليلها وربطها بالسياق المحلي، باعتبارها أداة للحوار والإصلاح وليس مجرد أرقام للتقييم أو الجدل.






