صدى الشعب - عرين مشاعلة
ليست حرائق صيفية عابرة تنتهي بانطفاء اللهب، ولا مشهداً مؤقتاً يختفي مع تلاشي الدخان؛ إنها معاناة تتكرر كل عام في الأغوار الشمالية حيث يقف المزارع الأردني أمام نار تأتي من جهة الحدود فتلتهم أشجاراً انتظر سنوات حتى تكبر وتثمر وتحول تعب السنين وعرق الجبين إلى رماد.
في المناطق المحاذية لنهر الأردن، وتحديداً في العدسية والزمالية والشيخ حسين والمشارع وكريمة، يعيش المزارعون تحت هاجس تجدد الحرائق التي تمتد من الجانب المقابل للحدود.
ويؤكد مزارعون وممثلون عن القطاع الزراعي أن إشعال النيران هناك يجري بحجة إزالة الأعشاب والقصب الكثيف لدواعٍ أمنية، إلا أن الرياح والظروف الجوية تحمل ألسنة اللهب إلى الأراضي الأردنية، لتتحول تلك الإجراءات إلى خسائر تصيب مزارع المواطنين ومصادر رزقهم.
المشهد بات متكرراً ومؤلماً؛ دخان يتصاعد من الجهة الأخرى رياح ساخنة تدفع النار نحو الحقول ومزارعون يهرعون لإنقاذ ما تبقى من أشجارهم قبل أن تتحول عشرات الدونمات الخضراء إلى أرض سوداء فقدت ملامحها.
حرائق تتجاوز الأشجار
مدير عام اتحاد المزارعين الأردنيين المهندس محمد العوران يؤكد أن تداعيات هذه الحرائق لا تتوقف عند خسارة المزارع لأشجاره، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني والبيئة والأمن الغذائي.
ويقول العوران إن "المزارع الأردني أصبح يدفع ثمن حرائق متكررة لا يملك السيطرة عليها"، مشيراً إلى أن استمرارها يؤدي إلى تراجع إنتاج الحمضيات، وعلى رأسها الليمون، ما ينعكس على توفر المنتجات في الأسواق ويرفع الأسعار ويزيد الضغط على القطاع الزراعي.
وأوضح أن المزارع الأردني يواجه أصلاً تحديات كبيرة تتمثل بشح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الجدوى الاقتصادية، لتأتي الحرائق وتضيف عبئاً جديداً يهدد قدرة كثير من المزارعين على الاستمرار.
وأشار إلى أن الخطر لا يقتصر على الأشجار المثمرة، فاحتراق المساحات الخضراء يمثل خسارة بيئية كبيرة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، مؤكداً أن حماية الغطاء النباتي أصبحت ضرورة وطنية.
وطالب العوران بإجراءات عملية تتجاوز التعامل مع الحرائق بعد وقوعها، تشمل إنشاء خطوط نار عازلة، وإزالة مصادر الاشتعال القريبة من الحدود، ووضع حلول وقائية تحد من انتقال النيران، لافتاً الى تواصله مع وزارتي الخارجية والزراعة والجهات الإعلامية لنقل حجم المعاناة والمطالبة بتحرك فاعل لحماية الأراضي الزراعية.
المزارع في مواجهة موسم من اللهب
رئيس جمعية الحمضيات الأردنية عبدالرحمن الغزاوي وصف واقع المزارعين في الأغوار بأنه "معركة يومية مع ظروف لا ترحم"، مؤكداً أن الحرائق أصبحت تهديداً مباشراً لاستمرار زراعة الحمضيات في المنطقة.
وقال الغزاوي إن المزارع يواجه سلسلة أزمات تبدأ بالصقيع خلال فصل الشتاء، مروراً بشح مياه الري، وصولاً إلى حرائق الصيف التي تقضي على جزء من الأشجار والمحاصيل.
وأضاف أن خطورة هذه الحرائق تتضاعف عندما تندلع خلال ساعات الليل، إذ تمنحها الظروف فرصة أكبر للانتشار والوصول إلى الأراضي الزراعية، خصوصاً في المناطق التي يصعب على المزارعين الوصول إليها بسرعة.
وأكد أن الأضرار طالت أشجار حمضيات ومحاصيل وشبكات ري، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يهدد مستقبل هذا القطاع الزراعي في الأغوار الشمالية.
مطالب بخطة وطنية وتعويض المتضررين
ودعا الغزاوي إلى تشكيل لجنة وطنية عاجلة تضم الجهات الرسمية وممثلي المزارعين لوضع خطة واضحة للتعامل مع الحرائق قبل وقوعها، وليس فقط بعد تحولها إلى خسائر.
وأكد أن لدى المزارعين خبرات ومقترحات يمكن أن تسهم في الحد من المشكلة، مطالباً بإشراكهم في أي حلول مستقبلية والاستماع إلى رؤيتهم لحماية القطاع الزراعي.
وشدد على ضرورة تعويض المزارعين المتضررين، مؤكداً أن الخسارة لا تتمثل بفقدان أشجار فقط، بل بضياع سنوات من الاستثمار والعمل ومصدر دخل لعائلات زراعية تعتمد على هذه الأرض.
خسارة زراعية تمس الأمن الغذائي والبيئة
يحذر القطاع الزراعي من أن استمرار الحرائق يحمل آثاراً اقتصادية وبيئية متزامنة؛ فتراجع إنتاج الحمضيات يعني مزيداً من الضغط على الأسواق، بينما يؤدي فقدان المساحات الخضراء إلى الإضرار بالتنوع الحيوي وزيادة آثار التغير المناخي.
فالليمونة التي تحترق اليوم ليست مجرد شجرة، بل سنوات من الصبر والعمل والاستثمار، ومصدر رزق لعائلة كاملة انتظرت موسمها لتجني ثمرة تعبها.
إجراءات دفاعية بانتظار حلول دائمة
من جهته، أكد مدير زراعة الأغوار الشمالية المهندس محمد النعيم أن المديرية تساند كوادر الدفاع المدني أثناء التعامل مع الحرائق من خلال توفير صهاريج المياه، إضافة إلى توعية المزارعين بأهمية إزالة الأعشاب الجافة حول المزارع للحد من سرعة انتشار النيران.
لكن المزارعين يؤكدون أن المواجهة لا يمكن أن تبقى محصورة في إطفاء الحرائق بعد وقوعها، بل تحتاج إلى خطة حماية مستمرة للشريط الزراعي الحدودي، تقوم على الوقاية والاستعداد ومعالجة أسباب تكرار الكارثة.
وفي الأغوار الشمالية، لا يُقاس حجم الكارثة بعدد الأشجار التي سقطت فقط، بل بعدد الأحلام التي احترقت معها. فخلف كل شجرة حمضيات قصة مزارع انتظر موسمه، وخلف كل أرض اسودّت بالنار عائلة كانت ترى في هذه الأرض مستقبلها.
واليوم يقف المزارع أمام رماد حقوله لا ليحصي خسارته فقط، بل ليسأل عن حقه في أن يزرع أرضه دون أن يخشى أن تأتيه النيران من خلف الحدود لتسرق منه ما بناه خلال سنوات.
فالأغوار التي عُرفت بخضرتها لا يجب أن تصبح شاهدة على مواسم من الاحتراق، والمزارع الذي حمل عبء الأرض لعقود لا يجوز أن يبقى وحده في مواجهة الخسارة. فبينما تنطفئ ألسنة اللهب، تبقى مسؤولية حماية الأرض ومن عليها مشتعلة، لأن ما يحترق في الأغوار ليس محصولاً فقط… بل جزء من حياة وطن.

















