لم يعد التحديث الاقتصادي في الأردن مجرد رؤية أو خطط للمستقبل، بل أصبح مساراً وطنياً ينتقل إلى مشاريع وقرارات ونتائج على أرض الواقع، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، ومتابعة الحكومة، بهدف بناء اقتصاد أكثر قوة وتنافسية، وتحسين جودة حياة المواطن.
وتأتي المتابعة الملكية لسير عمل الحكومة ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي (2026–2029)، لتؤكد أن المرحلة الحالية هي مرحلة الإنجاز وقياس الأثر؛ فنجاح الرؤية لا يقاس بما نعلنه من خطط، وإنما بما يتحول منها إلى مشاريع وفرص وخدمات يلمس المواطن نتائجها في حياته اليومية.
ويعكس تقرير سير العمل في البرنامج التنفيذي الثاني للنصف الأول من عام 2026 حجم العمل الجاري؛ إذ يضم البرنامج 394 مشروعاً تنفذ على مدى أربع سنوات، بدأ تنفيذ 343 مشروعاً منها خلال الأشهر الستة الأولى من العام، إلى جانب نحو 100 قرار حكومي اتخذت خلال الفترة ذاتها دعماً لأهداف رؤية التحديث الاقتصادي. وهي مؤشرات تؤكد الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ والمتابعة وقياس مستوى الإنجاز.
وتظهر النتائج في قطاعات تمس حياة الأردنيين مباشرة. ففي التعليم، تم خلال النصف الأول من العام الانتهاء من 48 مشروعاً للأبنية المدرسية، وصيانة وإعادة تأهيل نحو 340 مدرسة، إضافة إلى استحداث 31 مدرسة مهنية جديدة، بما يعزز جاهزية التعليم والتدريب لمتطلبات سوق العمل، ويربط مخرجاته بالمهارات التي يحتاجها الاقتصاد.
وفي القطاع الصحي، شهد تنفيذ المشاريع تقدماً في افتتاح وتوسعة وإعادة تأهيل مستشفيات ومراكز صحية في مختلف المحافظات، إلى جانب توسيع خدمات الصحة الرقمية والتطبيب عن بُعد، بما يعزز الوصول إلى الخدمة ويرفع كفاءة القطاع ويحسن جودة الرعاية.
وفي التحول الرقمي، ارتفعت نسبة رقمنة الخدمات الحكومية إلى نحو 86 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ80 بالمئة حتى نهاية عام 2025، بما يعزز سرعة إنجاز المعاملات، ويرفع كفاءة الخدمة، ويخفف الوقت والكلفة على المواطن وقطاع الأعمال، ويدعم بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والإنتاج.
أما المشاريع الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني وسكة الحديد ومشاريع الطاقة، فقد شهدت تقدماً في التنفيذ وفق الجداول الزمنية المقررة، بما يعزز البنية التحتية الوطنية، ويربط المحافظات بالأسواق ومراكز الإنتاج، ويخفض كلف النقل والطاقة، ويمهد لتوسيع الاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية.
وفي القطاع السياحي، ورغم الظروف والتحديات الإقليمية، استقبل الأردن نحو 3.15 مليون زائر خلال النصف الأول من عام 2026، فيما بلغ الدخل السياحي خلال الفترة ذاتها 2.47 مليار دينار، بما يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود واستثمار عناصر القوة التي يمتلكها، وتعزيز مساهمة السياحة في النمو والتشغيل.
هذه النتائج تستحق التقدير، وتُسجل لدولة رئيس الوزراء والفريق الوزاري باعتبارها ترجمة عملية للتوجيهات الملكية. لكن قيمة الإنجاز الحقيقية تبدأ من القدرة على البناء عليه ومضاعفة أثره؛ فالمشروع الذي بدأ يجب أن يصل إلى غايته، والقرار الحكومي يجب أن يتحول إلى نتيجة، والإنجاز يجب أن يفتح فرصاً جديدة للنمو والعمل والاستثمار.
ولهذا، فإن الأولوية في المرحلة المقبلة واضحة: تسريع التنفيذ، معالجة مواطن التعثر، رفع كفاءة المتابعة، وربط المشاريع بمؤشرات أثر قابلة للقياس. فالسؤال لم يعد فقط: كم أنجزنا؟ بل أصبح الأهم: ماذا غيّر هذا الإنجاز في حياة المواطن؟
فالتحديث الاقتصادي في جوهره ليس مجرد بناء بنية تحتية أو رقمنة خدمة، وإنما بناء اقتصاد قادر على خلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وتنمية الصادرات، ورفع دخل الأسر وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يبرز الاستثمار التصديري والشراكة بين القطاعين العام والخاص كأداتين أساسيتين لتحويل فرص التحديث الاقتصادي إلى مشاريع إنتاجية، وزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، يجب أن ينتقل تقييم المشاريع من قياس حجم الإنفاق ونسب الإنجاز إلى قياس القيمة التي تولدها: كم فرصة عمل خلقت؟ كم استثماراً استقطبت؟ كم زاد الإنتاج؟ وما أثرها على دخل المواطن والاقتصاد المحلي؟ فالمشروع الناجح ليس فقط ما يكتمل إنشاؤه، وإنما ما يبدأ بعد إنجازه في إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة.
كما يجب أن تكون محافظات المملكة شريكاً أساسياً في صناعة النمو، لا مجرد متلقٍ لثماره، من خلال استثمار المزايا النسبية لكل محافظة، وتحويل مواردها ومواقعها وفرصها إلى مشاريع إنتاجية واستثمارية، وربطها بالبنية التحتية والمشاريع الوطنية الكبرى.
ففي كل محافظة إمكانات يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة وفرص عمل واستثمارات إذا توفرت البيئة المناسبة، والبنية التحتية، والتمويل، والمهارات، والشراكة الفاعلة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.
وهنا تبرز أهمية بناء سلاسل قيمة وطنية حول المشاريع الكبرى؛ بحيث لا تقتصر فوائدها على تنفيذ المشروع نفسه، بل تمتد إلى الصناعات والخدمات والموردين والشركات المحلية، وتفتح المجال أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في الاقتصاد الجديد.
ويمتلك الأردن فرصة حقيقية لتحويل التحديث الاقتصادي إلى محرك مستدام للنمو، عبر زيادة الإنتاج والاستثمار والصادرات، وتطوير المهارات، وتمكين القطاع الخاص، واستكمال البنية التحتية، وتسريع التحول الرقمي، وتحويل المشاريع الوطنية الكبرى إلى سلاسل قيمة وفرص استثمارية تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات والمحافظات.
وما تحقق خلال النصف الأول من عام 2026 يمثل أساساً مهماً، لكنه ليس سقف الطموح. فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من حجم الإنجاز إلى عمق الأثر، ومن تنفيذ المشاريع إلى قياس نتائجها، ومن القرارات إلى انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية.
إن المتابعة الملكية تمنح هذا المسار الزخم والثقة، والعمل الحكومي يحول التوجيهات إلى مشاريع وقرارات ونتائج، والقطاع الخاص شريك أساسي في تحويل هذه النتائج إلى استثمارات وفرص عمل وإنتاج. والمسؤولية المشتركة اليوم هي الحفاظ على هذا الزخم، ورفع سرعة الإنجاز، وتوسيع دائرة المستفيدين، والبناء على ما تحقق للوصول إلى نتائج أكبر وأكثر استدامة.
فالغاية ليست أن ننجز فقط، بل أن يشعر المواطن بأننا أنجزنا.
وهذه هي معادلة المرحلة المقبلة: رؤية ملكية واضحة، وتنفيذ حكومي فاعل، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، واقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، ومحافظات تشارك في صناعة النمو، ومشاريع تتحول إلى استثمارات وفرص عمل، ونتائج ملموسة تصل إلى كل مواطن وكل محافظة.












