صدى الشعب – راكان الخريشا
في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات الدولية على تراجع حرية الصحافة عالمياً، يضع تقرير الأردن أمام اختبار صعب لا يحتمل التجميل أو التبرير فالمؤشر الذي يصنّف الدول وفق بيئة العمل الإعلامي، لم يكتفِ بإبقاء الأردن في مراتب متأخرة، بل أعاد تسليط الضوء على فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التحديث والانفتاح، وبين واقع مهني يرزح تحت ثقل التشريعات والرقابة الذاتية والضغوط المتراكمة.
وفي هذا السياق قال رئيس لجنة الإعلام والتوجيه الوطني النيابية، النائب حسين العموش، إن التشريعات الناظمة للعمل الإعلامي في الأردن تُعد في مجملها تشريعات متقدمة ومهمة، وتشكل إطاراً عاماً لتنظيم المهنة الإعلامية وضبط إيقاعها، إلا أنها بطبيعتها تحتاج إلى مراجعة دورية وتجويد مستمر، انسجاماً مع التحولات السريعة والعميقة التي يشهدها العالم في قطاع الإعلام والاتصال، خصوصاً في ظل الثورة الرقمية الهائلة التي أعادت تشكيل مفهوم الصحافة والإعلام وأساليب النشر والتلقي.
وأوضح العموش أن العالم اليوم لا يتحرك بالوتيرة التقليدية السابقة، بل إن التطور التكنولوجي والإعلامي بات سريعاً إلى درجة أن ما يحدث خلال أيام قليلة يمكن أن ينعكس بشكل كامل على المشهد الإعلامي خلال أسابيع، وهو ما يفرض ضرورة إعادة النظر بشكل مستمر في التشريعات الناظمة، بحيث تبقى قادرة على الاستجابة للتطور دون أن تفقد جوهرها التنظيمي أو دورها في ضبط المهنة.وأشار إلى أن الأردن، كدولة تسير في مسار التحديث السياسي والإداري، ينظر إلى ملف الإعلام باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة الإصلاح الشامل، مؤكداً أن الهدف ليس فقط تحديث القوانين، بل تطوير بيئة إعلامية متكاملة تتيح مساحة أوسع من الحرية المسؤولة، وتعزز في الوقت ذاته المهنية والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي.
وفيما يتعلق بقانون نقابة الصحفيين، قال العموش إن هناك توجهاً واضحاً لإجراء تعديلات على القانون، مبيناً أن النقابة نفسها تبادر حالياً إلى مراجعة بعض مواده وبنوده بما ينسجم مع التطورات المهنية الحديثة واحتياجات الجسم الصحفي، مؤكداً أن لجنة الإعلام والتوجيه الوطني في مجلس النواب ستكون شريكاً فاعلاً وداعماً في هذه العملية، من خلال دراسة التعديلات المقترحة وتقديم ما يلزم من دعم تشريعي يحقق المصلحة العامة.
وأضاف أن هذه التعديلات، في حال إقرارها، ستسهم في تعزيز البيئة المهنية للصحفيين، ورفع مستوى الحماية القانونية لهم، إضافة إلى تحسين مستوى التنظيم داخل المهنة، بما ينعكس في النهاية على رفع سقف الحريات الإعلامية في المملكة الأردنية الهاشمية ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها.
وفي تقييمه العام لمستوى الحريات الإعلامية، أوضح العموش أنه يرى أن الوضع الحالي “جيد إلى حد كبير”، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الطموح الوطني أعلى من ذلك بكثير، وأن هناك مساحة دائمة للتطوير والتحسين، سواء على مستوى التشريعات أو على مستوى الممارسة الإعلامية اليومية، بما يواكب تطلعات الدولة الأردنية في مسار التحديث.
وأكد أن القوانين الناظمة للإعلام، بما فيها قانون الجرائم الإلكترونية، تحتاج إلى مراجعات دقيقة ومتوازنة، هدفها الأساسي تحقيق معادلة صعبة لكنها ضرورية، وهي التوازن بين حرية التعبير من جهة، والمسؤولية القانونية والمجتمعية من جهة أخرى، بحيث لا تتحول الحرية إلى فوضى، ولا تتحول الضوابط إلى قيود تعيق حركة الرأي والتعبير.
وشدد العموش على أن حرية الرأي والكلمة ليست خياراً ثانوياً، بل هي ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة، وأن أي مجتمع لا يمتلك مساحة كافية من حرية التعبير لا يمكنه أن يطور نفسه أو يصحح مساره بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أن النقد البنّاء جزء أساسي من عملية الإصلاح وليس عائقاً أمامها.
وقال إن حرية الإعلام في أي دولة يجب أن تُفهم ضمن سياقها الصحيح، فهي ليست حرية مطلقة بلا ضوابط، وليست أيضاً حرية مقيدة بشكل يحد من قدرتها على التأثير، بل هي مساحة منضبطة من التعبير المسؤول الذي يخدم المصلحة العامة، ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وأضاف أن الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، وبتوجيهات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، يمضي بثبات في مشروع التحديث الشامل، الذي يشكل الإعلام جزءاً محورياً منه، باعتباره مرآة تعكس الواقع، وأداة لتطوير السياسات، ومنبراً للحوار الوطني المسؤول.
وشدد العموش أن هذا التوجه الملكي الواضح يضع الإعلام أمام مسؤولية كبيرة، ليس فقط في نقل المعلومة، بل في تعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة الحوار، ودعم مسارات الإصلاح والتحديث، بما يخدم الدولة والمجتمع في آن واحد.
واكد العموش أن الاختلاف في الرأي داخل الإطار الوطني أمر طبيعي وصحي، بل ومطلوب في كثير من الأحيان، لأنه يعكس حيوية المجتمع وتنوعه الفكري، مشدداً على أن الهدف النهائي يجب أن يبقى دائماً هو خدمة الوطن، وتعزيز وحدته، وتحسين الأداء العام للمؤسسات، وتجويد العمل العام بكل أشكاله، بعيداً عن التشنج أو المزايدات، وبروح من المسؤولية الوطنية التي تضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار.






