الزعبي: التحدي أمام صندوق التنمية التعاوني أعمق من توفير المال
الزعبي: 1445 تعاونية في المملكة برأسمال يقارب 90 مليون دينار
الزعبي: الحركة التعاونية الأردنية ظلت لعقود دون مستوى إمكاناتها
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل توجه الأردن لتعزيز دور القطاع التعاوني وتوسيع مساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يبرز تأسيس صندوق التنمية التعاوني ومعهد التنمية التعاوني كخطوة تستهدف معالجة جوانب التمويل وبناء القدرات ورفع كفاءة التعاونيات، ولا سيما الزراعية منها، غير أن نجاح هذه الخطوة لا يرتبط بتوفير التمويل وحده، بقدر ما يتطلب وجود تعاونيات مؤهلة وقادرة على إدارة المشاريع، إلى جانب منظومة واضحة للحوكمة والرقابة وتوجيه التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية وسلاسل القيمة ذات الأولوية.
وبينما يوفر القرار إطاراً مؤسسياً جديداً لدعم الحركة التعاونية، تطرح محدودية الرسملة وتفاوت القدرات الإدارية ونشاط التعاونيات تساؤلات حول جاهزية القطاع لاستيعاب التمويل وتحويله إلى مشاريع مستدامة..
جاء متأخراً
وبهذا الإطار، أكد سفير الأمم المتحدة للأغذية سابقاً والخبير الدولي في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أن إقرار مجلس الوزراء تأسيس صندوق التنمية التعاوني كنافذة مصرفية وتمويلية للتعاونيات، تستقطب الدعم من الجهات المانحة وتنظم منحه وإقراضه، إلى جانب تأسيس معهد التنمية التعاوني المنصوص عليه في قانون التعاونيات، يمثل خطوة مهمة لتعزيز الحركة التعاونية في الأردن وبناء قدرات التعاونيات وأعضائها وكوادر المؤسسة.
وقال الزعبي خلال حديثه لـ"صدى الشعب" إن معهد التنمية التعاوني سيعمل وفق مناهج منظمة العمل الدولية، مع مواءمتها للسياق الأردني، مبيناً أن القرار في جوهره صحيح، إلا أنه جاء متأخراً.
وأوضح أن التحدي الذي واجه الحركة التعاونية في الأردن لم يكن مرتبطاً بنقص النصوص القانونية، لافتاً إلى وجود قوانين متعاقبة، آخرها قانون التعاونيات لسنة 2025، إلى جانب وجود استراتيجية وطنية للحركة التعاونية وحضور دولي معتبر توج بانتخاب الأردن لعضوية مجلس إدارة التحالف التعاوني الدولي لآسيا والمحيط الهادئ.
وأضاف أن التحدي الأساسي للحركة التعاونية يتمثل في ضآلة القاعدة الرأسمالية وضعف الأهلية التمويلية والقدرة الإدارية.
1445 تعاونية برأسمال يقارب 90 مليون دينار
وأشار الزعبي إلى أن عدد التعاونيات في المملكة يبلغ نحو 1445 تعاونية، برأسمال إجمالي يقارب 90 مليون دينار، فيما تناهز العضوية 127 ألف عضو.
وبين أن متوسط رأسمال التعاونية الواحدة يقل عن 63 ألف دينار، في حين لا يتجاوز نصيب العضو الواحد من رأس المال 710 دنانير.
وقال إن هذه المؤشرات تظهر محدودية القاعدة الاقتصادية للحركة التعاونية الأردنية، وقدرتها المحدودة على التفاوض ضمن سلاسل القيمة، فضلاً عن محدودية قدرتها على تشكيل وعاء ائتماني يمكن للجهاز المصرفي التعامل معه وفق الشروط التجارية.
ولفت إلى أن الحركة التعاونية تضم كيانات صغيرة وضعيفة الرسملة، وأن عدداً منها غير عامل بصورة فعلية.
وأكد أن التحدي الأساسي أمام صندوق التنمية التعاوني يتمثل في تحديد طبيعة السوق التي سيدخلها، سواء كانت سوقاً ناضجة تحتاج إلى التمويل، أو سوقاً تحتاج إلى تطوير قدراتها المؤسسية والإدارية إلى جانب توفير التمويل.
وأشار إلى أن ضخ التمويل في بنية غير مؤهلة قد يؤدي إلى ارتفاع مخاطر التعثر بدلاً من تحقيق الأهداف التنموية المنشودة.
أربعة مخاطر تتطلب المعالجة
وأكد الزعبي أهمية معالجة أربعة مخاطر تصميمية ضمن الأنظمة والتعليمات الخاصة بالصندوق.
وأوضح أن الخطر الأول يتمثل في الجمع بين نافذة المنح ونافذة الإقراض، مشيراً إلى أن تولي كيان واحد تقديم الدعم والإقراض للفئة نفسها قد يؤدي إلى مخاطر في التعامل مع القروض.
وقال إن المستفيد الذي يدرك أن الجهة المقرضة هي نفسها الجهة المانحة قد يتعامل مع القرض باعتباره منحة مؤجلة، ما يستدعي الفصل المؤسسي بين النافذتين، من خلال اعتماد حسابات وحوكمة ومعايير أهلية منفصلة.
وأكد أن الفصل بين النافذتين يمثل أحد متطلبات استدامة الصندوق وسلامة عمله.
أهمية بناء قاعدة رسملة محلية
وفيما يتعلق بالخطر الثاني، أشار الزعبي إلى الاعتماد على الجهات المانحة كمصدر أساسي لرسملة الصندوق.
وأوضح أن التمويل الخارجي قد يكون متغيراً، وقد يرتبط بأولويات وأجندات لا تتطابق دائماً مع الأولويات الوطنية، كما قد يتراجع في أوقات تزداد فيها الحاجة إلى التمويل.
وأكد ضرورة بناء الصندوق على قاعدة رسملة محلية تشمل مخصصاً من الخزينة كرأسمال تأسيسي، ونسبة محددة من فوائض التعاونيات، وآلية لضمان الائتمان بما يتيح الاستفادة من التمويل المصرفي بدلاً من الاعتماد على المنح المباشرة.
وقال إن دور الجهات المانحة ينبغي أن يكون شريكاً في التمويل والتنمية، وليس المصدر الأساسي لرسملة الصندوق.
ضرورة الفصل بين الأدوار الرقابية والتمويلية
وبخصوص الخطر الثالث، أشار الزعبي إلى ضرورة معالجة تضارب الأدوار داخل المؤسسة التعاونية الأردنية، موضحاً أن جمع مهام التنظيم والإشراف والتمويل والتدريب لدى الجهة نفسها قد يؤدي إلى تحديات في الحوكمة.
وقال إن الجهة الرقابية التي تقوم في الوقت ذاته بتمويل الجهات الخاضعة لرقابتها قد تواجه صعوبة في إنفاذ القواعد الرقابية بصورة مستقلة.
وأكد أهمية وجود مجلس إدارة مستقل للصندوق، وإعداد تقارير مالية مدققة ومنشورة، واعتماد سياسة واضحة للإفصاح عن حالات التعثر.
أما الخطر الرابع، فيتعلق، بحسب الزعبي، بتمويل كيانات تعاونية غير مؤهلة.
وأوضح أن جزءاً من التعاونيات المسجلة غير نشط أو نشط بصورة اسمية، داعياً إلى إجراء تصنيف واضح للقطاع قبل البدء بمنح التمويل، بحيث يشمل التعاونيات العاملة والمتعثرة والخاملة والتعاونيات التي تستوجب الشطب.
وأكد أن تصنيف وتنظيف السجل التعاوني يجب أن يسبقا عملية التمويل، لضمان توجيه الموارد إلى التعاونيات القادرة على إدارة المشاريع وتنفيذها.
معهد التنمية التعاوني وبناء القدرات
ووصف الزعبي تأسيس معهد التنمية التعاوني بأنه يمثل جانباً أساسياً من القرار، نظراً لدوره في معالجة جوانب تتعلق بالقدرات المؤسسية والإدارية للتعاونيات.
وأوضح أن اعتماد مناهج منظمة العمل الدولية ومواءمتها مع السياق الأردني يمثل توجهاً مناسباً، إلا أن نجاح المعهد لا ينبغي أن يقاس بعدد المتدربين أو الدورات التدريبية فقط.
وأكد أن معيار النجاح يتمثل في مدى انعكاس التدريب على الأداء المالي والإداري للتعاونيات.
وأشار إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية ينبغي قياس أداء المعهد من خلالها، وهي ارتفاع نسبة التعاونيات التي تقدم بيانات مالية مدققة، وتحسن معدلات بقاء المشاريع التعاونية بعد ثلاث سنوات، وارتفاع دخل أعضاء التعاونيات.
وبين الزعبي أن الفرصة الاستراتيجية لصندوق التنمية التعاوني لا تكمن في الإقراض الاستهلاكي أو التمويل الأصغر، وإنما في تمويل الأنشطة التي يصعب على المزارع الفرد تمويلها بصورة منفردة.
وأوضح أن ذلك يشمل عمليات التجميع، والفرز والتدريج، وسلاسل التبريد، والتخزين، والتسويق الجماعي، والتعاقد الزراعي.
وقال إن هذه الأنشطة تمثل حلقة أساسية بين صغار المنتجين والأسواق، وهي من المجالات التي يمكن للتعاونيات أن تؤدي فيها دوراً مهماً.
تمويل جمعيات مستخدمي المياه
وأشار الزعبي إلى أهمية توجيه التمويل أيضاً إلى جمعيات مستخدمي المياه، مبيناً أن تمويل هذه الجمعيات وتعزيز حوكمتها يمكن أن يسهم في رفع كفاءة استخدام مياه الري على مستوى الحوض، في ظل محدودية الموارد المائية في الأردن.
وأوضح أن هذا المجال يرتبط بصورة مباشرة بترابط قطاعات المياه والطاقة والغذاء والبيئة، داعياً إلى أن تكون كفاءة استخدام المياه إحدى الأولويات في سياسة الإقراض.
ربط الصندوق برؤية التحديث الاقتصادي
وفيما يتعلق بربط الصندوق برؤية التحديث الاقتصادي وخارطة تحديث القطاع العام، قال الزعبي إن هذا الربط يمثل توجهاً صحيحاً، إلا أنه يتطلب ترجمة عملية من خلال إعداد محفظة استثمارية قطاعية محددة الأولويات.
وأكد أهمية أن لا يقتصر عمل الصندوق على استقبال طلبات التمويل وتوزيعها وفق ترتيب تقديمها، وإنما أن يستند التمويل إلى أولويات استثمارية وتنموية واضحة.
وقال الزعبي إن الاختبار الأساسي لنجاح القرار سيكون في الأنظمة والتعليمات التي ستصدر لتنفيذه، وليس في صدور القرار بحد ذاته.
واقترح خمسة مخرجات يمكن اعتمادها لتقييم التنفيذ خلال الأشهر الاثني عشر الأولى، تتمثل في تصنيف معلن لكامل السجل التعاوني، والفصل التام بين نافذتي المنح والإقراض، ووضع سياسة استثمارية تعطي الأولوية لمشاريع التجميع والتسويق وكفاءة المياه، واعتماد حوكمة مستقلة للصندوق مع إجراء تدقيق خارجي ونشر نتائجه، وإصدار تقرير سنوي حول حالة القطاع التعاوني يتضمن بيانات قابلة للتحقق.
التعاونيات ودورها في التنمية المحلية
وأكد الزعبي أن الحركة التعاونية في الأردن تمثل إحدى الأدوات المتاحة لتوسيع قاعدة الدخل في المحافظات، وتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية، وتنظيم عمل صغار المنتجين.
وقال إن الحركة التعاونية ظلت لعقود دون مستوى إمكاناتها، معتبراً أن القرار الأخير يوفر فرصة لتطوير دورها وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد والتنمية المحلية.
وأكد أن تحقيق هذه الأهداف يعتمد بصورة أساسية على تفاصيل تصميم الصندوق وآليات الحوكمة والتمويل والتنفيذ، بما يضمن تحويل القرار إلى نتائج تنموية مستدامة.












