صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
لطالما ارتبط امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة «التوجيهي» في الوعي الأردني بفكرة الامتحان المفصلي الذي تتجمع عنده سنوات الدراسة، وتُبنى عليه خيارات الطالب الجامعية في فترة زمنية محدودة، غير أن النظام الجديد للثانوية العامة يعيد رسم هذه الصورة، بنقل الامتحان من كونه نهاية للمرحلة المدرسية إلى أداة مرتبطة بصورة أكبر بالقبول في التعليم العالي.
ولا يقف التغيير عند عدد المواد أو توزيع العلامات، وإنما يمتد إلى الوظيفة التي يؤديها كل من (شهادة الدراسة الثانوية العامة) و(الامتحان العام)، وإلى الطريقة التي يبني بها الطالب مساره خلال المرحلة الثانوية.
فبموجب قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رقم (13) لسنة 2026، أصبحت شهادة الدراسة الثانوية العامة مرتبطة بالنجاح المدرسي في الصف الثاني عشر، بينما حُدد (الامتحان العام) بوصفه امتحاناً تجريه الوزارة في مناهج التعليم الثانوي لغايات القبول في مؤسسات التعليم العالي.
وبذلك، يفصل النظام للمرة الأولى بهذه الصورة الواضحة بين إثبات إتمام الطالب للمرحلة الثانوية وبين الاختبار الذي يستخدم نتيجته للانتقال إلى التعليم العالي.
خارج الصورة التقليدية
وهذا التفريق يعيد تعريف الصورة التي استقر عليها «التوجيهي» لعقود؛ فالطالب لم يعد بحاجة إلى النظر إلى الامتحان الوزاري باعتباره الاختبار الذي يثبت وحده إتمام المرحلة الثانوية، وإنما أصبح أمام مسارين مختلفين في الوظيفة.
فالنجاح المدرسي في الصف الثاني عشر يقود إلى شهادة الثانوية العامة، بينما يرتبط الامتحان العام بالطالب الذي يريد استكمال تعليمه في مؤسسات التعليم العالي.
ومن هذه الزاوية، فإن النظام لا يلغي (التوجيهي)، وإنما يعيد تحديد موقعه داخل العملية التعليمية، فالامتحان الذي كان يؤدي في الوقت نفسه وظيفة التخرج والقبول الجامعي، أصبح أكثر ارتباطاً بالوظيفة الثانية، في حين تتوسع مسؤولية المدرسة في متابعة الطالب وتقييمه خلال المرحلة الثانوية.
وهذا التحول يحمل دلالة مهمة؛ إذ لم يعد نجاح الطالب في المرحلة المدرسية مرهوناً بصورة كاملة بامتحان نهائي واحد، كما لم يعد الطالب الذي لا يخطط لاستكمال التعليم الجامعي مضطراً للنظر إلى الامتحان العام باعتباره المحطة الوحيدة التي تثبت إتمامه للمرحلة الثانوية.
من سنة واحدة إلى مسار يمتد على عامين
ولا يقتصر التغيير على الفصل بين الشهادة والامتحان، إذ توزعت نتيجة الامتحان العام على الصفين الحادي عشر والثاني عشر، بواقع 30% للجزء الأول و70% للجزء الثاني.
وبذلك، لم تعد النتيجة النهائية تتشكل في نهاية الصف الثاني عشر فقط، وإنما يبدأ الطالب ببناء جزء منها في الصف الحادي عشر.
ويغير هذا التوزيع طبيعة العلاقة مع الامتحان؛ فالطالب لم يعد يواجه نتيجة واحدة تتشكل خلال فترة امتحانية قصيرة، وإنما يدخل في مسار أطول لبناء نتيجته.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المنافسة الجامعية أصبحت أقل، لكنه يغير توقيتها وطريقة التعامل معها، فالطالب أصبح مطالباً بالتخطيط لمساره في وقت أبكر، وفي المقابل أصبح لديه وقت أطول لبناء النتيجة وعدم اختزال التجربة كلها في مرحلة امتحانية واحدة.
ويظهر التحول بصورة أوضح في نظام الحقول، الذي ينقل الطالب تدريجياً من التعليم العام إلى مسار أكثر ارتباطاً بالتخصص الذي يرغب في دراسته، فالطالب الذي يتجه إلى المجال الصحي لا يخوض البناء الامتحاني نفسه الذي يخوضه الطالب المتجه إلى الهندسة والعلوم والتكنولوجيا، في حين تختلف المواد في حقول اللغات والعلوم الإنسانية والاجتماعية والأعمال.
وهذا يعني أن النظام الجديد لا ينظر إلى الطلبة باعتبارهم كتلة واحدة تخضع للبناء الامتحاني نفسه، وإنما يتيح مساحة أكبر للتخصص وفق الميول والخيارات المستقبلية.
والأهمية هنا لا تكمن فقط في اختلاف المواد، وإنما في أن الطالب يبدأ التفكير في مستقبله الأكاديمي خلال المرحلة الثانوية، بدلاً من تأجيل القرار إلى ما بعد انتهاء الامتحان.
لكن هذا التحول يجعل الإرشاد الأكاديمي أكثر أهمية؛ فكلما أصبح اختيار الحقل أبكر، أصبح الطالب بحاجة إلى معلومات أدق حول قدراته والخيارات التي يتيحها كل مسار.
ما يدرسه الطالب أوسع مما يمتحن فيه
ومن الفروقات اللافتة في النظام الجديد أن المواد التي يدرسها الطالب ليست بالضرورة هي نفسها المواد التي يدخل بها المنافسة في الامتحان العام، فالخطط الدراسية تتضمن مجموعة أوسع من المباحث، فيما يتركز الامتحان العام على مواد ترتبط بالحقل والتخصص الذي اختاره الطالب.
وهذا يعيد تعريف وظيفة المدرسة نفسها؛ إذ لا تعود مهمتها إعداد الطالب للامتحان العام فقط، وإنما توفير تعليم أوسع من متطلبات الاختبار.
وهنا تظهر فرصة مهمة أمام العملية التعليمية، تتمثل في أن تصبح المواد التي لا تدخل في الامتحان جزءاً من بناء معرفة الطالب ومهاراته، لا مجرد مواد يسعى إلى اجتيازها مدرسياً، وفي المقابل، فإن الحفاظ على القيمة التعليمية لهذه المواد سيبقى مرتبطاً بطريقة التدريس ومتابعة المدارس لها
التوجيهي أصبح أسهل أم أصعب
السؤال الذي يرافق أي تغيير في امتحان الثانوية العامة هو ما إذا كان النظام الجديد أسهل من السابق، غير أن الإجابة لا تبدو مرتبطة بعدد المواد الامتحانية وحده، فالطالب ما يزال يدرس مجموعة واسعة من المباحث، وتصل الحصص الأسبوعية في بعض الحقول إلى 33 و34 حصة، ما يعني أن تخفيف المواد الامتحانية لا يساوي بالضرورة تخفيف التعلم المدرسي.
لكن الفارق أن الطالب لم يعد مطالباً بتحويل جميع ما يدرسه إلى منافسة امتحانية بالطريقة نفسها.
ومن هنا، فإن التغيير يمكن قراءته باعتباره إعادة توزيع للضغط أكثر من كونه إلغاءً له؛ فبدلاً من أن تتركز أهمية جميع المواد في امتحان نهائي واحد، أصبح لكل مجموعة من المواد وظيفة مختلفة ضمن المسار المدرسي والجامعي.
وهذا قد يمنح المدرسة مساحة أكبر لتقديم تعليم متكامل، ويمنح الطالب مساحة أوسع للتعامل مع المواد التي ترتبط فعلياً بخياراته المستقبلية.
الامتحان يفقد صفة (الفرصة الأخيرة)
ومن الجوانب التي يمكن أن تغير تجربة الطلبة إتاحة فرص متعددة للتقدم إلى الامتحان العام وفق آليات التطبيق المعتمدة.
فالتوجيهي التقليدي ارتبط لسنوات بفكرة الموعد المحدد والنتيجة التي يمكن أن تحدد الخيارات الجامعية بصورة مباشرة.
أما تعدد فرص التقدم فيمنح الطالب إمكانية إعادة المحاولة وتحسين النتيجة التي يسعى إليها للقبول في تخصص معين.
وهنا لا تقتصر أهمية التغيير على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي؛ إذ يمكن أن تتراجع فكرة أن نتيجة امتحان واحد تمثل حكماً نهائياً على مستقبل الطالب.
لكن هذه المرونة تحتاج في المقابل إلى منظومة تقويم قادرة على الحفاظ على عدالة القياس وتقارب مستويات الاختبارات المختلفة.
ويرتبط النظام الجديد كذلك بتطوير أدوات التقويم، وفي مقدمتها بنك الاختبارات الوطني، والقضية هنا لا تتعلق بتحويل الامتحان إلى صورة إلكترونية فقط، وإنما بطبيعة السؤال الذي يواجهه الطالب، فإذا كان الهدف هو الانتقال من الحفظ والاسترجاع إلى قياس الفهم والتطبيق والتحليل والاستنتاج، فإن تطوير بنك الاختبارات يجب أن ينعكس على مستوى الأسئلة وأنماطها، وعلى قدرة الاختبارات على التمييز بين مستويات الطلبة.
وبذلك، فإن تطوير الامتحان لا يقاس فقط بعدد فرص التقدم أو طريقة عقده، وإنما بمدى قدرته على تقديم قياس أكثر دقة لما يعرفه الطالب وما يستطيع تطبيقه.
ويظل المعلم أحد العوامل الأساسية في تحويل هذا التغيير من نظام مكتوب إلى ممارسة داخل الغرفة الصفية، فالانتقال إلى الحقول، وربط التعليم بالمهارات، وتطوير أساليب التقويم، كلها متطلبات تحتاج إلى معلم قادر على التعامل مع نموذج مختلف عن النموذج التقليدي.
ولهذا، فإن تدريب المعلمين لا يمثل ملفاً منفصلاً عن نظام الثانوية العامة، وإنما يشكل جزءاً من شروط نجاحه، فالامتحان الذي يقيس التحليل والتطبيق لا يمكن أن ينتج تحولاً حقيقياً إذا بقيت عملية التعليم قائمة على الحفظ وحده
ومن هنا، فإن نجاح النظام سيقاس في السنوات المقبلة ليس فقط بما يحدث في قاعة الامتحان، وإنما بما يسبقه من تعلم وتدريس وإرشاد.
من «التوجيهي» إلى المسار الثانوي
عند جمع هذه التغييرات معاً، تظهر صورة مختلفة للمرحلة الثانوية، فالطالب يبدأ من مرحلة تأسيسية، ثم ينتقل إلى اختيار الحقل، وتدخل نتائج الصف الحادي عشر في بناء النتيجة، ويستكمل الجزء الأكبر في الصف الثاني عشر، ثم يستخدم الامتحان العام لأغراض القبول في التعليم العالي.
وهكذا، يتحول «التوجيهي» من حدث يتركز في نهاية المرحلة إلى مسار يمتد عبر المرحلة الثانوية، وقد يكون هذا هو التغيير الأكثر أهمية في الصورة الجديدة؛ فالامتحان لم يعد هو التعليم كله، وإنما أصبح جزءاً من منظومة أوسع تشمل المدرسة والتقييم والإرشاد واختيار الحقل والتخصص.
ولا تعني زيادة الخيارات أن النظام أصبح بلا تحديات، فالطالب أمام قرارات أبكر تتعلق بالحقل والمواد والتخصص الجامعي، والأسرة أمام دور يتطلب فهماً أكبر للمسارات المختلفة، فيما تصبح المدرسة مطالبة بتوفير إرشاد يساعد الطالب على اتخاذ القرار بناء على قدراته وميوله.
وبالتالي، فإن المرونة التي يقدمها النظام تحتاج إلى منظومة موازية من التوجيه والمعلومات، حتى تتحول الخيارات الجديدة إلى فرصة فعلية للطالب، لا إلى عبء إضافي في اتخاذ القرار.
وهنا يمكن أن يصبح الإصلاح التعليمي أوسع من مجرد تعديل الامتحان؛ إذ تنتقل المدرسة تدريجياً من دور يركز على إيصال الطالب إلى موعد الامتحان إلى دور أكبر في بناء مساره التعليمي.
التغيير لا يقاس بسهولة الامتحان
وفي ضوء هذه التحولات، فإن اختزال النظام الجديد في سؤال «هل أصبح التوجيهي أسهل؟» قد لا يعكس جوهر التغيير.
فالتحول الأساسي يتمثل في أن الطالب لم يعد أمام نموذج يقوم على امتحان نهائي واحد يؤدي وظائف متعددة في الوقت نفسه، وإنما أمام شهادة مدرسية وامتحان عام للقبول الجامعي، ونتيجة موزعة على عامين، وحقول ترتبط بدرجة أكبر بالتخصص، وفرص أوسع لبناء النتيجة.
وبذلك، فإن قيمة النظام الجديد ستظهر في قدرته على تحقيق المعادلة بين تعليم أوسع، وقياس أكثر دقة، ومسار أكثر مرونة للطالب.
فإذا حافظت المدرسة على قيمة التعلم، ونجح الإرشاد في مساعدة الطلبة على اختيار الحقول، وتطورت أدوات القياس، وأصبح المعلم قادراً على تطبيق أساليب تعلم حديثة، فإن التغيير لن يكون مجرد إعادة توزيع لمواد الامتحان أو علاماته.
بل قد يمثل انتقالاً تدريجياً من الثقافة التي اختزلت الثانوية العامة في «سنة التوجيهي» إلى ثقافة تنظر إلى المرحلة الثانوية باعتبارها مساراً تعليمياً متدرجاً، يبني الطالب خلاله خياراته ونتيجته ومستقبله على مراحل، بدلاً من تركيز كل ذلك في امتحان واحد.
وعندها، لا يصبح السؤال الأساسي ما إذا كان (التوجيهي الجديد) أسهل أو أصعب، وإنما ما إذا كان أكثر قدرة على منح الطالب فرصة عادلة لبناء مستقبله وقياس قدراته وربط تعليمه المدرسي بخياراته الجامعية والمهنية.













