صدى الشعب الاخباري
عاجل
رأي

المخدرات في الأردن .. عندما تخذلنا التربية قبل القانون

٢٨ يناير ٢٠٢٦دقيقتان
التحكم بالخط:
كتاب الموقع
كاتب مقالكتاب الموقع
صدى الشعب - كتب نصر عصفور لم يعد الحديث عن المخدرات في الأردن ترفًا فكريًا أو تهويلًا إعلاميًا، بل بات توصيفًا لواقع مقلق تؤكده الأخبار اليومية، بما تحمله من…

صدى الشعب - كتب نصر عصفور

لم يعد الحديث عن المخدرات في الأردن ترفًا فكريًا أو تهويلًا إعلاميًا، بل بات توصيفًا لواقع مقلق تؤكده الأخبار اليومية، بما تحمله من قصص موجعة عن تعاطٍ، أو ترويج، أو ضياع شباب في عمر الأمل والطموح. إنها أزمة حقيقية تمسّ المجتمع بأكمله، ولا يمكن اختزالها في بعدها الأمني فقط.

لا شك أن الدولة تبذل جهودًا واضحة في ملاحقة تجار المخدرات ومروجيها، وتشديد الإجراءات والعقوبات، وهي جهود تُقدَّر ولا يمكن إنكارها.

غير أن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة هي أن المقاربة الأمنية وحدها، مهما بلغت قوتها، ستبقى قاصرة ما لم تُستكمل بمنظومة وقائية شاملة تشارك فيها جميع مكونات المجتمع: مؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، والمدارس والجامعات، ودور العبادة، وقبل كل ذلك الأسرة.

الأسرة، التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول، أصبحت في حالات كثيرة الحلقة الأضعف، بل الأخطر. فبدل أن تواجه المشكلة في بداياتها، تلجأ بعض العائلات إلى التستر والإنكار، تحت ذرائع اجتماعية مألوفة؛ كالخوف على السمعة أو هاجس “كلام الناس”، أو العيش في وهم أن الأمر عابر وسيزول من تلقاء نفسه.

هذا الصمت لا يحمي الأبناء، بل يضاعف حجم الكارثة، ويحوّل الخطأ القابل للعلاج إلى إدمان مدمّر. وهنا لا يعود الصمت حيادًا، بل يصبح شراكة غير مباشرة في الجريمة.

من هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى التفكير الجدي في أدوات ردع وقائية عادلة، من بينها إقرار فحوصات مخدرات دورية وعشوائية تُطبّق على الجميع دون أي تمييز على أساس الطبقة الاجتماعية، أو المنصب الوظيفي، أو العمر، أو الجنس.

فالمساواة في المساءلة هي جوهر العدالة، والشعور بالإفلات من المحاسبة هو أحد أبرز أسباب تفشي الظاهرة. كما يجب فرض عقوبات صارمة على كل من يحاول الغش أو التلاعب أو تزوير نتائج الفحوصات، لأن التزوير هنا جريمة مضاعفة تجمع بين التعاطي والخداع وتقويض الثقة العامة.

وفي الجانب الوقائي، لا يمكن تجاهل بوابة الانحراف الأولى: التدخين. فالسجائر والأرجيلة لم تعودا مجرد عادات اجتماعية، بل أصبحتا مدخلًا مبكرًا لعالم الإدمان.

والمفارقة المؤلمة أن الرسوم والضرائب المفروضة على التبغ تحولت إلى مصدر دخل رئيسي للخزينة، بدل أن يُخصص لها بند واضح ومستقل في الموازنة العامة بعنوان “مكافحة التدخين والإدمان”. إن الدولة التي تجني هذه الإيرادات مطالبة أخلاقيًا ووطنياً بإعادة استثمار جزء حقيقي منها في التوعية والعلاج والدعم النفسي، لا الاكتفاء بعائد مالي قصير الأمد.

لكن المخدرات ليست سببًا فقط، بل هي في جوهرها نتيجة. نتيجة لسوء التربية، وتفكك الأسرة، وازدياد حالات الطلاق، وغياب الحوار داخل البيوت، وتراجع الدور التربوي للأب والأم تحت ضغط الظروف المعيشية. وهي أيضًا نتيجة للوضع الاقتصادي الصعب، وتدني الرواتب، وندرة فرص العمل، وضعف جودة التعليم، وغياب التوجيه الحقيقي في المدارس والجامعات.

ويُضاف إلى ذلك انتشار ثقافة التباهي الاجتماعي الكاذب وغير الواقعي، التي تفرض على الشباب معايير وهمية للنجاح والرفاه، وتدفعهم إلى الإحباط والشعور بالفشل، فيبحثون عن الهروب بدل المواجهة. وحين يغيب الأمل، ويضعف الانتماء، تصبح المخدرات ملاذًا زائفًا من واقع قاسٍ.

الخلاصة أن قضية المخدرات ليست ملفًا أمنيًا فحسب، ولا مشكلة صحية فقط، بل قضية مجتمع ومستقبل. مواجهتها تتطلب شجاعة في الاعتراف، وعدالة في التطبيق، ووقاية تسبق العقوبة، وأسرة واعية قبل أي مؤسسة.

فحين تخذلنا التربية قبل القانون، يصبح الثمن أفدح، ويدفعه المجتمع بأكمله في أمنه، وفي شبابه، وفي استقراره.

مقالات أخرى للكاتب كتاب الموقع

كلّ مقالات الكاتب
رابط نتائج التوجيهي لعام 2026 في الأردن

رابط نتائج التوجيهي لعام 2026 في الأردن

المهندسة (هبة الزعبي) تُهنىء نجل شقيقها (علي محمد الزعبي) بنجاحه و تفوقه بالتوجيهي

المهندسة (هبة الزعبي) تُهنىء نجل شقيقها (علي محمد الزعبي) بنجاحه و تفوقه بالتوجيهي

الإسباني لويس جيل توريس مديرا فنياً لـ "صقور الأردن"

الإسباني لويس جيل توريس مديرا فنياً لـ "صقور الأردن"

لا صوت على الهامش: الشباب شركاء في التحديث السياسي

لا صوت على الهامش: الشباب شركاء في التحديث السياسي

د.عاصم منصور

"أوعدينا تفحصي".. هل وفت بالوعد؟

أ. د. ليث كمال نصراوين

الأحزاب الأردنية بين البقاء والرحيل

د.منذر الحوارات

الأردن شريك في نتائج كل صراعات الإقليم

سكة الحديد.. مشروع يعيد رسم الطريق

سكة الحديد.. مشروع يعيد رسم الطريق

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962