أكد الخبير العسكري والأمني والاستراتيجي اللواء الركن المتقاعد الدكتور صالح لافي المعايطة أن الضربات الجوية الأردنية التي استهدفت أوكارًا وتجمعات للتنظيمات الإرهابية في جنوب سوريا تحمل رسائل أمنية وعسكرية واضحة، مفادها أن الأردن يمتلك القدرة على حماية أمنه الوطني وحدوده، والتعامل مع التهديدات قبل وصولها إلى الأراضي الأردنية.
وقال المعايطة، في حديثه لـ"صدى الشعب"،إن هذه الضربات تأتي في إطار الردع الأردني والتعامل مع التهديدات التي تستهدف أمن المملكة، مشيرًا إلى أن إعلان الجهات الرسمية عن وجود مخططات لزعزعة أمن الحدود والأمن الوطني يعكس خطورة النشاطات التي تواجهها الدولة، سواء من خلال التنظيمات الإرهابية أو شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات.
وأضاف أن العملية تمثل، وفق قراءته، استكمالًا للجهود الأمنية التي أسفرت عن إلقاء القبض على متهمين بالارتباط بالاعتداء الذي استهدف كنيسة في الكرك، مؤكدًا أن الأردن لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو استقرار المجتمع.
وأوضح المعايطة أن التهديدات لم تعد تقتصر على الأساليب التقليدية، بل امتدت إلى استخدام الطائرات المسيّرة والبالونات المسيّرة في عمليات التهريب، إلى جانب محاولات نقل الأفكار المتطرفة واستقطاب أفراد داخل الأردن، الأمر الذي يتطلب مواصلة الجهود الأمنية والاستخبارية وتعزيز إجراءات حماية الحدود.
وأشار إلى أن الأردن سبق أن واجه تهديدات مصدرها الأراضي السورية، وأن التعامل معها يأتي في سياق حماية الأمن الوطني، لافتًا إلى أن أمن الحدود الأردنية السورية يمثل مسؤولية مشتركة، وأن ضبط الحدود ومنع استخدامها منطلقًا لتهديد المملكة يشكلان ضرورة لاستقرار البلدين.
الوحدة الوطنية خط أحمر
وشدد المعايطة على أن الأردن، رغم تعرضه لتهديدات إرهابية متكررة، حافظ على نموذج التعايش والتسامح والوحدة الوطنية، مؤكدًا أن المجتمع الأردني بمختلف مكوناته الدينية والاجتماعية يشكل نسيجًا وطنيًا متماسكًا لا يمكن السماح باستهدافه أو شق صفوفه.
وأضاف أن محاولات استهداف المواطنين أو إثارة الانقسامات بين مكونات المجتمع تتطلب تعزيز الوعي الوطني وترسيخ ثقافة التعايش، مشيرًا إلى أن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، إلى جانب مختلف مكونات المجتمع، تجمعهم الهوية الوطنية والتاريخ المشترك والدفاع عن الوطن.
واستذكر المعايطة مواقف الأردنيين في مواجهة التحديات الأمنية، مؤكدًا أن قوة الأردن لا تقوم على قدراته العسكرية وحدها، بل تستند أيضًا إلى تماسك جبهته الداخلية وثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، والانضباط الذي تتميز به القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
الأردن حريص على سوريا واستقرارها
وفيما يتعلق بالعلاقة الأردنية السورية، أكد المعايطة أن الأردن لا يتعامل مع سوريا بمنطق الخصومة، بل باعتبارها دولة شقيقة وجارة تربطها بالمملكة علاقات جغرافية واجتماعية واقتصادية وأمنية عميقة.
وأشار إلى أن استقرار سوريا يشكل مصلحة أردنية مباشرة، كما أن استقرار الأردن وأمن حدوده يمثلان مصلحة لسوريا، موضحًا أن التداخل الجغرافي والاجتماعي بين البلدين يجعل التعاون والتنسيق ضرورة لا غنى عنها.
ولفت إلى أن الأردن تحمل أعباء كبيرة خلال سنوات الأزمة السورية، من خلال استضافة اللاجئين وتوفير الخدمات الأساسية لهم، رغم الضغوط التي فرضتها هذه الاستضافة على قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية.
وأكد أن الأردن يحرص على سلامة المدنيين السوريين، كما يحرص على سلامة مواطنيه، مشددًا على أهمية التحقق من ملابسات العمليات العسكرية واتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنب تعريض المدنيين للخطر.
وأضاف أن وقوع خسائر مدنية في مناطق العمليات العسكرية يمثل مسألة بالغة الحساسية، تستوجب التحقق والتنسيق بين الجهات المعنية، لافتًا إلى أن الأردن بادر، وفق ما أشار إليه، إلى التواصل وتشكيل لجان للتحقيق مع الجانب السوري بشأن ملابسات الحوادث ذات الصلة.
ضبط الحدود أولوية مشتركة
وبيّن المعايطة أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو تعزيز قدرة الجانب السوري على ضبط الحدود ومنع التنظيمات المسلحة وشبكات التهريب من استغلال المناطق الحدودية لتنفيذ أنشطة تهدد البلدين.
وأشار إلى أن استمرار التهديدات قد يدفع الأردن إلى اتخاذ إجراءات لحماية أمنه، بما في ذلك الضربات الاستباقية، وفق ما تقتضيه الظروف والضوابط ذات الصلة، مؤكدًا أن الردع لا يعني بالضرورة السعي إلى التصعيد، بل يهدف إلى منع تكرار الاعتداءات وحماية المواطنين.
واعتبر أن الحفاظ على العلاقات الأردنية السورية يتطلب وضوحًا في المواقف الرسمية، وتبادل المعلومات، وتعزيز التنسيق الأمني، وعدم السماح للتنظيمات الإرهابية باستغلال أي خلاف أو سوء فهم بين البلدين.
وختم المعايطة بالتأكيد على أن قوة الأردن تكمن في قدرته على حماية أمنه واستقراره، مع المحافظة على علاقاته العربية ومواقفه الداعية إلى الأمن والسلام، مشددًا على أن القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية تواصل القيام بواجباتها في حماية الحدود والمواطنين، مع الالتزام بالقواعد والمواثيق ذات الصلة.





