تضع حادثة استهداف كنيسة في الكرك الأردن أمام اختبار جديد يتجاوز حدود الحادثة ذاتها، ليطال قدرة الدولة على كشف الحقيقة وتطبيق القانون، ومدى وعي المجتمع في التعامل مع تداعياتها، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتداخل فيها النزاعات والصراعات، وتُستغل فيها أحيانًا الهويات الدينية في الصراعات السياسية.
وترى أستاذة العلوم السياسية والمحللة السياسية د. أريج علي جبر أن ما جرى يمثل "فاجعة أصابت الأردن بأكمله" واختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع تداعياتها، مشيرة إلى أن استهداف الكنائس ليس ظاهرة جديدة في المنطقة، حيث شهدت دول مثل مصر وسوريا اعتداءات على دور العبادة المسيحية.
وتؤكد جبر أهمية قراءة حادثة الكرك في سياقها الأمني والإقليمي الأوسع، مع ضرورة عدم القفز إلى استنتاجات بشأن الجهات المسؤولة أو افتراض وجود ارتباط بين حوادث مختلفة قبل ثبوت الأدلة وظهور نتائج التحقيقات.
على المستوى الرسمي، ترى جبر أن التعامل مع الحادثة يفرض استكمال التحقيقات وتوضيح ملابساتها، وصولًا إلى تحديد هوية المشتبه بهم والمسؤولين عنها وفق الإجراءات القانونية.
وتشير إلى أن "لا أمان دون عدالة، ولا عدالة دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين" مؤكدة أن إعلان الحقيقة لا يمثل مطلبًا قضائيًا فقط، وإنما ضرورة لحماية المجتمع من الشائعات والاتهامات العشوائية التي قد تطال أبرياء، أو تفتح المجال أمام التصنيف الديني والطائفي.
وفي هذا السياق، تلفت إلى أن التريث في إعلان تفاصيل التحقيقات لا يعني بالضرورة عجزًا أو تقصيرًا، إذ قد تفرض طبيعة التحقيقات وضرورة جمع الأدلة والتأكد منها عدم الاستعجال في إعلان النتائج.
وترى أن الأهم هو أن يقود المسار القانوني في نهايته إلى مساءلة واضحة تعزز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وتؤكد أن القانون هو المرجعية في التعامل مع مثل هذه الحوادث.
الخطر لا يتوقف عند مكان الحادثة
أما على المستوى الشعبي، فتشير جبر إلى أن مسؤولية المجتمع تبدأ من إدراك أن خطورة مثل هذه الأفعال لا تقتصر على الضحايا المباشرين، وإنما تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية قد تصيب المجتمع بأكمله.
ومن منظور علم النفس السياسي، يمكن لمثل هذه الاعتداءات أن تثير الخوف والشعور بالتهديد، فيما يساعد علم الاجتماع السياسي على فهم الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الصدمة إلى حالة من الاستقطاب أو التوتر بين مكونات المجتمع، خصوصًا إذا جرى توظيفها في خطاب الكراهية والتعميم.
وتوضح أن حادثة الكرك يمكن النظر إليها باعتبارها اختبارًا لمدى تماسك المجتمع ومناعته أمام الاستفزاز، دون افتراض وجود مخطط محدد أو جهة بعينها تقف خلف الحادثة قبل توافر الأدلة.
وتحذر من أن التداعيات النفسية والاجتماعية لمثل هذه الجرائم قد تُستثمر لإحداث شروخ في النسيج الوطني؛ فالعمل الإجرامي قد يستهدف مكانًا محددًا، لكن أثره النفسي يمكن أن يمتد إلى المجتمع بأكمله، ويطرح أسئلة أساسية حول الشعور بالأمان وممارسة الشعائر الدينية والوجود في أماكن التجمع.
ومن هنا، تؤكد جبر أن حماية دور العبادة مسؤولية وطنية وأمنية مشتركة، وليست قضية تخص أتباع دين بعينه.
رفض التعميم وربط الجريمة بالدين
وتشدد جبر على ضرورة رفض أي محاولة لربط الجريمة بالإسلام أو تحميل دين كامل مسؤولية أفعال أفراد، مشيرة إلى أن «رسالة عمّان»، التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني عام 2004 وأُعلن عنها رسميًا عام 2005، أكدت قيم الاعتدال والوسطية ورفض التكفير ومواجهة التشدد والتطرف.
وترى أن قيم التآخي والتسامح والعيش المشترك تمثل جزءًا من التجربة الوطنية الأردنية، وليست مجرد استجابة ظرفية لحادثة طارئة.
وتؤكد أن استهداف كنيسة لا يمثل مصابًا للمسيحيين وحدهم، بل هو مصاب لكل الأردنيين، لأن الاعتداء على دار عبادة يمس حق الإنسان في الأمان، كما يمس أحد أسس المواطنة والعيش المشترك.
الوطن يتسع للاختلاف
وبحسب جبر، فإن الاختلاف في الأفكار والأيديولوجيات والمواقف السياسية لا يلغي حقيقة الالتقاء حول الوطن، ولا ينبغي أن يتحول إلى مدخل للتشكيك أو التخوين أو إثارة النعرات.
وتؤكد أن التعامل مع الأزمات يتطلب الحفاظ على وحدة المجتمع، وعدم السماح لردود الفعل الانفعالية بمنح الجريمة أثرًا أوسع من فعلها المباشر.
وفي الوقت ذاته، تشير إلى أن مواجهة تداعيات الحادثة لا تعني تجاهل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، من الفقر والبطالة إلى الفساد ومواطن الخلل المؤسسي، موضحة أن هذه الملفات تستحق المعالجة والمساءلة، لكن من خلال نقاش جاد وسياسات واضحة، بعيدًا عن الخلط الانفعالي بين أسباب المشكلات المختلفة.
وتدعو في هذا السياق إلى مواصلة مراقبة أداء المؤسسات والمطالبة بالإصلاح والشفافية، مع ضرورة التمييز بين النقد المسؤول وبين الخطاب الذي قد يؤدي إلى نشر اليأس أو تقويض الثقة بصورة غير محسوبة.
الإعلام أمام مسؤولية مضاعفة
وتبرز، وفق جبر، مسؤولية الإعلام والمنصات الرقمية في هذه المرحلة، خصوصًا أن المعلومة غير الدقيقة قد تتحول سريعًا إلى شائعة، فيما يمكن للشائعة أن تغذي الخوف، والخوف بدوره قد يتحول إلى اتهام وعداء.
لذلك، فإن التحقق من المعلومات، وانتظار نتائج التحقيقات، وعدم نشر المحتوى المحرض على الكراهية، تمثل مسؤوليات أساسية في مواجهة تداعيات الحادثة، إلى جانب التضامن مع الضحايا وذويهم.
وترى جبر أن تحصين الجبهة الداخلية لا يتحقق فقط عبر التعامل الأمني مع الحوادث، بل يتطلب أيضًا معالجة مواطن الضعف وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، مع الانتباه إلى محاولات استغلال الاضطرابات الإقليمية لإثارة الانقسام، دون نسبة الحادثة إلى أي مشروع أو جهة خارجية ما لم تتوافر أدلة تثبت ذلك.
اختبار لمناعة الدولة ووعي المجتمع
وتخلص جبر إلى أن الأردن أمام اختبار لمناعة الدولة ووعي المجتمع في آن واحد؛ دولة تكشف الحقيقة وتطبق القانون، ومجتمع يرفض الفتنة والتعميم، وإعلام يتحرى الدقة ولا يساهم في صناعة الخوف.
وتؤكد أن تعدد الانتماءات والاختلافات داخل المجتمع لا يلغي وحدة المصير، وأن أمن الأردنيين جميعًا مسؤولية مشتركة.
وتقول إن استهداف كنيسة في الكرك لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره قضية تخص المسيحيين وحدهم، بل باعتباره قضية وطنية تمس كل أردني يؤمن بأن الوطن لا يُصان إلا بوحدة أبنائه، وعدالة مؤسساته، وقدرة أفراده ومؤسساته على حماية بعضهم بعضًا.





