المحاميد: التعلم الذاتي يجعل الطالب باحثاً يخطط لتعلمه ويقيّمه ومبتكراً
المحاميد: تعديل الامتحانات ضرورة لقياس مهارات التفكير العليا بدلاً من استرجاع المعلومات
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم، لم يعد دور الطالب يقتصر على تلقي المعلومات وحفظها استعداداً للامتحانات، بل باتت الحاجة تتزايد إلى نموذج تعليمي يمنحه دوراً أكبر في البحث والاكتشاف وتقييم المعرفة وبناء مهاراته بصورة مستقلة.
ويأتي التعلم الذاتي في مقدمة الأنماط التي تعيد صياغة العلاقة بين الطالب والمعرفة، عبر الانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى تعلم يشارك فيه الطالب في تحديد أهدافه، واختيار مصادره، وتقويم تقدمه، والبحث عن حلول للمشكلات التي تواجهه.
ومع اتساع استخدام التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت مصادر التعلم أكثر تنوعاً وإتاحة، الأمر الذي يفتح أمام الطلبة فرصاً أكبر للتعلم وفق قدراتهم واهتماماتهم وسرعتهم الخاصة، لكنه في المقابل يفرض امتلاك مهارات جديدة، أبرزها القدرة على التحقق من المعلومات، وتمييز المصادر الموثوقة، والتفكير النقدي، والاستخدام الآمن والأخلاقي للأدوات الرقمية.
وفي الوقت الذي يطرح فيه هذا التحول تساؤلات حول مدى جاهزية المناهج وطرق التقييم والبيئة المدرسية والأدوار التقليدية للمعلم والأسرة، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في منظومة التعليم بما يتيح للطالب مساحة أوسع للبحث والتجريب والابتكار، ويجعله أكثر استعداداً للتعلم المستمر ومواكبة المعارف والمهارات المتجددة.
تعزيز التحصيل وجودة المخرجات
وفي هذا السياق، أكدت الخبيرة التربوية الدكتورة نسرين المحاميد، أن التعلم الذاتي يسهم في نقل الطالب من مجرد متلقٍ للمعلومة إلى شريك فاعل، بل وقائد لعملية تعلمه، من خلال مشاركته في صياغة الأهداف التعليمية وتحديد المهارات التي يحتاج إلى تطويرها، وتحمله مسؤولية البحث والسعي للوصول إلى المعرفة.
وقالت المحاميد خلال حديثه لـ"صدى الشعب" إن التعلم الذاتي يقوم على جعل الطالب باحثاً ومكتشفاً، بحيث يبحث عن مصادر المعرفة ويقيّمها ومدى مناسبتها، ويضع أسئلة خاصة به ويسعى إلى الوصول إلى إجابات عنها من خلال البحث والاكتشاف، بدلاً من استخدام إجابات جاهزة ومتاحة.
وأضافت أن الطالب في هذا النمط من التعلم يقوم بعملية تأمل لما تم تعلمه، ويقيّم تعلمه ذاتياً ومدى تقدمه، ويحدد نقاط القوة والضعف لديه والعمل على تحسينها، الأمر الذي يجعله مشاركاً حقيقياً في عملية تعلمه، بل وقائداً لها.
وبينت أن من أبرز المهارات التي يكتسبها الطالب من خلال مشاركته في عملية تعلمه، القدرة على الاستمرار في التعلم مدى الحياة، إذ يصبح قادراً على التعلم والتكيف مع المعارف والمهارات الحديثة.
وأشارت إلى أن الطالب يصبح كذلك أكثر قدرة على تنظيم ذاته وإدارة وقته، من خلال وضع جدول مناسب لدراسته وتحديد أولوياته وإدارة مهامه من غير حاجة إلى من يتابعه، إلى جانب قدرته على تمييز المصادر الموثوقة من المصادر المضللة.
وأضافت أن التعلم الذاتي يجعل الطالب مفكراً وناقداً لكل معلومة، إذ يفحصها ويتأكد منها قبل أن يأخذ بها، كما يصبح مستقلاً من خلال اعتماده على ذاته في الوصول إلى حلول لما يعترضه من مشكلات.
وحول أثر التعلم الذاتي على التحصيل الدراسي وجودة مخرجات التعليم، أشارت المحاميد إلى أن له أثراً في تحصيل الطلبة وجودة المخرجات، إذ يزيد من دافعية الطالب للتعلم لأنه يرتبط باهتماماته الذاتية، ويزيد من رغبته في الإنجاز.
وقالت إن التعلم الذاتي يتيح للطالب التعلم بالسرعة والطريقة التي تناسبه، من خلال مراعاة الفروق الفردية، الأمر الذي يزيد من تحصيله الدراسي ويسهم في تقليل الفجوة التعليمية.
وأوضحت أن الطالب عندما يبحث عن المعلومة معتمداً على نفسه ويقوم بتطبيقها، تنتقل المعرفة لديه من مرحلة الحفظ المؤقت لتقديم الامتحان، ومن ثم اختفائها ونسيانها، إلى فهم عميق يستمر لمدة طويلة وتبقى المعرفة راسخة في ذاكرته.
التفكير النقدي وحل المشكلات
وبينت المحاميد أن التعلم الذاتي يجعل الطالب أمام آراء وخيارات ومعلومات ومصادر متعددة ومختلفة، ما يفرض عليه تحليلها ومقارنتها بأخرى، ومن ثم اختيار ما هو أصح، بدلاً من الأخذ برأي معين أو محدد.
وأضافت أن التعلم الذاتي يضع الطالب أمام تحديات واقعية، ما يجعله يقوم بتحليل كل ما يعترضه من مشكلات وتجربة حلول متعددة، الأمر الذي يعطيه فرصة للتدرب على تفكيك المشكلة وحلها.
وفيما يتعلق بالابتكار، أوضحت أن الابتكار، الذي يعد أساس توليد أفكار جديدة وغير تقليدية، يتحقق من خلال مساحة الحرية التي يوفرها التعلم الذاتي، والتي تشجع الطالب على البحث وتزيد من فضوله المعرفي.
وفيما يتعلق بتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تعزيز التعلم الذاتي، بينت المحاميد إلى أهمية توفير مختبرات تمكن الطالب من إجراء تجاربه العلمية والتطبيق العملي في أي وقت وبشكل مستقل.
وأشارت إلى أنه يمكن استخدام أحد نماذج الذكاء الاصطناعي للمساعدة والمشاركة في العصف الذهني للطالب، من خلال تبسيط المفاهيم المعقدة وتقديم مصادر تعلم متنوعة، إلى جانب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تخصيص محتوى تعليمي وتمارين تتناسب مع مرحلة الطالب ومستواه واحتياجاته الخاصة.
وأكدت أن الاستخدام الصحيح والفاعل للأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي يتطلب من الطالب امتلاك مجموعة من المهارات، في مقدمتها الأمان والخصوصية لحماية البيانات الشخصية، والوعي الرقمي في التعامل مع البيئة الرقمية.
وشددت على ضرورة أن ينتقد الطالب ويقيّم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي، وأن يدرك أن هذه الأدوات قد تخطئ، وأن عليه التحقق دائماً من صحة ما تقدمه له من معلومات.
كما يحتاج الطالب، بحسب المحاميد، إلى القدرة على تقديم أسئلة واضحة ودقيقة للوصول إلى إجابات ذات جودة، فضلاً عن احترام الملكية الفكرية والتحلي بالأخلاقيات الرقمية.
المدرسة بيئة حاضنة للبحث والتجريب
وحول الأدوار المطلوبة لتطبيق التعلم الذاتي بصورة حقيقية في المدارس، بينت المحاميد أن الطالب يجب أن يتحول من مجرد مستمع ومتلقٍ للمعلومة وحافظ لها من أجل الاختبارات، إلى باحث يخطط لتعلمه ويقيّمه ومبتكر.
أما المعلم، الذي يمثل في النموذج التقليدي المصدر الوحيد للتعلم والمعلومات والملقن لها، فمن الأفضل أن يتحول دوره إلى موجه ومرشد وميسر، ويوفر بيئة تعلم مناسبة للطالب.
وقالت إن الأسرة، التي يتركز دورها المعتاد في متابعة العلامات والواجبات البيتية والدراسة والحفظ، لابد أن توفر بيئة مشجعة ومحفزة لفضول الطالب، وأن تشجع استقلاليته وتقدم له الدعم النفسي.
وفيما يتعلق بالمدرسة، أشارت المحاميد إلى أن المدارس التي يذهب إليها الطلبة ضمن جدول زمني وحصص محددة والالتزام بها، لابد أن تتحول إلى بيئات توفر الأجهزة والمختبرات والمساحات والأماكن المناسبة للبحث والتجريب.
وأكدت ضرورة أن تكون المدرسة بيئة حاضنة ومحفزة للابتكار، بما يتيح للطالب ممارسة التعلم الذاتي والبحث والاكتشاف بصورة عملية.
وأكدت المحاميد أن على وزارة التربية والتعليم العمل على إعداد وتوفير بنية تحتية رقمية مناسبة، وتكثيف تدريب المعلمين بشكل أفضل، وتطوير أنظمة التقييم لديها، وإعداد أطر مرنة للوصول إلى تعلم ذاتي حقيقي.
المناهج التقليدية عائق أمام التعلم الذاتي
وحول مدى ملاءمة المناهج وأنظمة التقييم الحالية للتعلم الذاتي، قالت المحاميد إن المناهج ما تزال بصورتها التقليدية، فهي قائمة على التلقين والامتحانات المعتمدة على الحفظ وتقييم استرجاع الطالب للمعلومات.
وأضافت أن هذه المناهج تعد عائقاً أمام التعلم الذاتي، لأنها تركز على الحفظ وتكافئه، وتقلل من الفضول والبحث والتجريب، فضلاً عن كونها مكتظة بالمعلومات.
وفيما يتعلق بأساليب التقييم البديلة التي يمكن اعتمادها لقياس البحث والتطبيق والابتكار، أوضحت المحاميد إمكانية الاعتماد على مشروع محدد بفترة زمنية، يقوم الطالب من خلاله بحل مشكلة حقيقية وواقعية، يظهر فيها قدرته على البحث وحل المشكلات والتطبيق.
وأشارت إلى أهمية استخدام العروض التقديمية، التي يقدم الطالب من خلالها مشروعه أمام لجنة مكونة من معلمين أو طلبة، ويقوم بالإجابة عن الأسئلة والدفاع عن الأفكار التي يقدمها، بما يظهر مدى فهمه وتعلمه.
وأشارت أنه يمكن أن يكون التقييم من خلال إعطاء الطالب مهام لا تتطلب إجابة واحدة نموذجية، وإنما تقيم وتقيس طريقة تفكير الطالب وطريقته وأسلوبه في إيجاد الحل.
وحول أبرز التحديات التي قد تعيق التوسع في التعلم الذاتي، بينت المحاميد إلى أن طول المناهج وازدحامها يجعل اليوم الدراسي غير كافٍ لممارسة التعلم الذاتي.
كما لفتت إلى أهمية متابعة وزيادة البرامج التدريبية التي تمكن المعلم من تحويل دوره إلى ميسر للتعلم الذاتي، إلى جانب وجود ثقافة التعلم التقليدية لدى المعلمين والأهل والطلبة القائمة على الحفظ والامتحانات، ما يؤدي إلى مقاومة التغيير من قبلهم.
وأضافت أن من التحديات أيضاً البنية التحتية، التي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن مدرسة إلى أخرى.
خطوات عملية لضمان الاستدامة
وحول الخطوات العملية التي يمكن أن تبدأ بها وزارة التربية والتعليم، قالت المحاميد إن من أبرزها تقليل المحتوى المعرفي للمناهج التي تعتمد على الحفظ، وتخصيص وقت في الجدول الدراسي اليومي للتعلم الذاتي القائم على المشاريع والأنشطة.
وأكدت ضرورة تكثيف برامج تدريب المعلمين وتوجيههم نحو أساليب حديثة للتعلم، وكيفية توجيه الطالب أو مساعدته للتوجه نحو التعلم الذاتي، إلى جانب إعداد التقييمات الحديثة.
كما شددت على أهمية تأمين وتوفير بيئة رقمية وبنية تحتية تتضمن إنترنت عالي السرعة في المدارس والمكتبات، ومنصات رقمية موثوقة للتعلم الذاتي تكون متاحة لجميع الطلبة.
وأشارت إلى ضرورة تطوير نظام التقييم من خلال اعتماد تقييم المشاريع وملفات إنجاز الطلبة بشكل تدريجي لجميع المراحل، وتعديل الامتحانات بحيث تقيس مهارات التفكير العليا بدلاً من قياس قدرة الطالب على استرجاع المعلومات.
وأكدت أهمية توعية أولياء الأمور بأهمية التعلم الذاتي في بناء شخصية أطفالهم وتهيئتهم للمستقبل، بما يسهم في توفير البيئة الداعمة لهذا النمط من التعلم وتعزيز استقلالية الطلبة وقدرتهم على البحث والاكتشاف والتكيف مع المعارف والمهارات الحديثة.











