وخاصة ما جرى في اللقاء مع لجنة التربية والتعليم، أجد نفسي مضطرا لأن أقول كلمة من باب المسؤولية الوطنية، ومن باب المحبة الصادقة لوزارة التربية والتعليم وللوطن، بعيدا عن أي مصلحة شخصية أو حسابات خاصة.
وأقولها بوضوح: إن ما يقوده معالي وزير التربية والتعليم من تحديث وإصلاح في المنظومة التربوية هو عمل مهم وجريء، ويستحق أن يناقش بعقلانية وهدوء، لا أن يحاكم من خلال لقاء عابر أو حالة من الفوضى في النقاش.
معالي الوزير لا يدافع عن قرار شخصي، وإنما يقود سياسة وزارة، وهذه السياسة ترتبط بعملية تحديث أوسع للتعليم، وبحاجة الأردن إلى تطوير الثانوية العامة،وتطوير التعليم المهني والتقني ، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وفتح مسارات حقيقية أمام أبنائنا بدل أن يبقى التعليم يسير بالآليات نفسها التي كانت مناسبة لمرحلة سابقة.
التغيير في التعليم ليس ترفا، والإصلاح لم يعد خيارا يمكن تأجيله. لكن في الوقت نفسه، فإن الإصلاح التربوي لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها. فالتعليم منظومة ضخمة، تضم الطلبة والمعلمين والمدارس وأولياء الأمور والجامعات وسوق العمل والمجتمع، وأي تغيير حقيقي فيها يحتاج إلى وقت حتى يطبق ويختبر وتظهر نتائجه.
لذلك، فإن من الإنصاف أن نعطي هذه التغييرات وقتها، وأن نحكم عليها من خلال نتائجها، لا من خلال المخاوف التي قد ترافق بدايتها.
والأهم من ذلك أن ننظر إلى الإصلاح بعيدا عن المصالح الشخصية أو الفئوية أو الحسابات الضيقة.
قد يتضرر فرد من تغيير، أو تتغير مصلحة فئة، أو يشعر البعض بالقلق من مسار جديد، لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرا أمامنا جميعا هو:ما الذي يحتاجه الوطن؟ وما الذي يحقق مصلحة أبنائنا بعد خمس سنوات وعشر سنوات؟
وهنا أتمنى أن يكون النقاش حول الإصلاح التربوي مبنيا على الدراسات والأرقام والحقائق، وليس على الانطباعات أو ما يقال في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي.
نريد من الوزارة أن تضع أمام المجتمع بصورة واضحة:
ما هي الدراسات التي بنيت عليها القرارات؟
ما هي احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية؟
ما التخصصات التي تعاني من التشبع؟
وما التخصصات والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني؟
كم عدد الطلبة المتوقع في كل مسار؟
وما الطاقة الاستيعابية والمقاعد المتاحة؟
وما النتائج المتوقعة من تطوير الثانوية العامة؟
وكيف سيسهم تطوير التعليم المهني والتقني في تحسين فرص أبنائنا في سوق العمل؟
هذه ليست أسئلة معارضة للإصلاح، بل هي أسئلة داعمة للإصلاح؛ لأن المواطن عندما يعرف الحقيقة والأرقام يستطيع أن يحكم بعدالة.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلام التربوي في الوزارة، وعلى المختصين والخبراء ومديري الإدارات المعنية، في أن يشرحوا للمجتمع هذه التغييرات بلغة بسيطة وواضحة، وأن يصلوا إلى أولياء الأمور والطلبة والمعلمين عبر مختلف وسائل التواصل، حتى لا يبقى المجال مفتوحا للتفسيرات الشخصية.
فمعالي الوزير لا يستطيع وحده أن يكون وزيرا وصاحب قرار ومتحدثا ومفسرا لكل تفصيل فني في الوقت نفسه.
هناك مؤسسة كاملة اسمها وزارة التربية والتعليم، ويجب أن تتحدث هذه المؤسسة مع المجتمع.
وفي الوقت نفسه، فإن الاستماع إلى الناس لا يعني التراجع عن الإصلاح، كما أن النقد لا يعني رفض التغيير.
على العكس تماما.
نحن بحاجة إلى نقد بناء، وإلى الاستماع إلى آراء المعلمين والمختصين وأولياء الأمور والطلبة والخبراء وأصحاب الخبرة الميدانية؛ لأن هؤلاء جميعا شركاء في العملية التربوية، وقد يرون تفاصيل لا تظهر أحيانا في الدراسات المكتبية.
الإصلاح الناجح هو الذي يمتلك شجاعة اتخاذ القرار، وفي الوقت نفسه يمتلك شجاعة الاستماع للملاحظات وتصحيح المسار عندما تظهر الحاجة إلى ذلك.
وأقول هذا الكلام وليس لي مصلحة وقد تركت وزارة التربية والتعليم وأنا أحمل لها الحب والعشق والامتنان.
هذه الوزارة أعطتني الكثير، وكانت جزءا أساسيا من حياتي وتجربتي، وما زلت أنظر إليها باعتزاز، وأشعر أن من واجبي أن أقول كلمة عندما أرى أن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى دعم، ويحتاج في الوقت نفسه إلى نقاش مسؤول.
لذلك، فإن موقفي اليوم ليس دفاعا عن شخص، وإنما دفاع عن فكرة الإصلاح عندما تكون موجهة لخدمة الوطن والطالب.
وأقول لمعالي الوزير: إن الطريق الذي بدأته في التحديث والإصلاح ليس طريقا سهلا، ومن الطبيعي أن تواجه فيه انتقادات ومخاوف وأسئلة، ولكن القرارات الجريئة غالبا ما تكون أكثر القرارات إثارة للنقاش.
المهم أن يكون القرار قائما على دراسة، وأن تكون الغاية واضحة، وأن يكون التنفيذ تدريجيا ومدروسا، وأن تكون هناك مراجعة مستمرة للنتائج، وأن يبقى باب الحوار مفتوحا.
لا نريد إصلاحا بلا استماع، كما لا نريد استماعا يتحول إلى تعطيل للإصلاح.
نريد الاثنين معا:
قرارا شجاعا، وحوارا مسؤولا.
تحديثا حقيقيا، واستماعا للمختصين.
رؤية للمستقبل، ومراجعة مستمرة للنتائج.
وأخيرا، أقول لكل من يناقش هذه التغييرات: لنختلف، نعم، ولكن لنختلف من أجل مصلحة التعليم، لا من أجل الأشخاص.
لننتقد، نعم، ولكن بالنقد الذي يبني ولا يهدم.ولنمنح الإصلاح الوقت الكافي حتى تظهر نتائجه.
فالتعليم الذي نريده لأبنائنا اليوم ليس فقط أن ينجحوا في امتحان، وإنما أن يمتلكوا المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة والعمل وصناعة المستقبل.
هذا هو الإصلاح الذي يحتاجه الأردن، وهذه مسؤولية وطنية لا ينبغي أن تفسدها الفوضى أو المصالح الشخصية أو الحسابات الضيقة.
ومن موقعي كمحب لوزارة التربية والتعليم، وكشخص تركها وهو يحمل لها كل التقدير والامتنان، أقول:
دعوا الإصلاح يأخذ مداه، وناقشوه بعقل، وراقبوا نتائجه، وانتقدوه عندما يستحق النقد، وساندوه عندما يكون في مصلحة أبنائنا ووطننا.
ففي النهاية، الأشخاص يذهبون، والمناصب تنتهي، ولكن التعليم يبقى، والوطن يبقى، ومستقبل أبنائنا هو الأمانة الأكبر.









