الرئيس التنفيذي لشركة يو سي سي كونسيشونز للاستثمار -الاردن امجد الرواشدة يرثي والده
في الذكرى الأربعين لرحيل أبي، أجدني أمام سيرة رجل لا تختصرها سنوات عمره التسع والثمانون، ولا تفيها الكلمات حقها. عاش الحياة كما أحب، ورحل كما أراد؛ ماشيًا على قدميه، محتفظًا بحضوره واستقلاله، مواظبًا على صلاته في المسجد، قائمًا على شؤونه، مقبلًا على الحياة حتى أيامه الأخيرة. وكأن رحيله جاء على الصورة التي تشبهه وتليق به.
كان أبي مهيبًا في حضوره، مميزًا في ملامحه وقوامه الذي حافظ عليه حتى آخر عمره. ولم تكن هيبته في مظهره وحده، بل في شخصيته القوية، وثقته بنفسه، وطريقته في الحديث، وقدرته على أن يفرض حضوره من غير تكلف. كان من الرجال الذين يُعرفون بحضورهم قبل أن يتحدثوا، ويتركون أثرًا فيمن يجالسهم.
وكان له مكانته في عائلته وعشيرته، فهو أحد وجهائها ورجالها الذين يُعتد برأيهم وحضورهم. ظل حاضرًا في الأحداث والمناسبات العامة التي تهم عشيرته ومحيطه، يشارك ويتابع ويؤدي دوره بما يليق بمكانته ومسؤوليته. وكان انتماؤه إلى عشيرته امتدادًا لانتمائه الأوسع إلى الأردن الذي أحبه واعتز به، وإلى الجيش العربي الذي حمل في ذاكرته حكايات رجاله وأيامه، وظل يروي لنا منها ما أصبح جزءًا من ذاكرتنا.
كان يمتلك موهبة نادرة في الحديث والتواصل؛ يعرف كيف يخاطب كل إنسان بما يناسبه، مهما اختلف عمره أو مقامه أو مستواه. فلكل مقام عنده مقال، ولكل شخص مدخل إلى الحديث. ينتقل بسلاسة بين الجد والطرفة، وبين التاريخ والشعر وأحداث الحياة، فيمنح كل مجلس مذاقه الخاص، ويجعل من يجالسه يشعر بألفة صادقة ومتعة لا تُنسى.
وكان يستمتع بمجالسة مختلف الأجيال، ولا سيما الشباب. يصغي إليهم ويحاورهم ويشاركهم اهتماماتهم، وكأنه يجد في صحبتهم روحًا متجددة للحياة. وكان يقول لمن هم في عمره: «إنني أريد مجالسة هؤلاء الشباب لأكسب منهم روح الشباب». كانت عبارته تختصر شخصيته؛ عقلًا منفتحًا، وروحًا لا تستسلم لقيود العمر، ورغبة في البقاء قريبًا من الناس ونبض الحياة.
وكان يترك أثرًا واضحًا في كل من يجالسه؛ فما إن ينتهي اللقاء حتى يبقى حاضرًا في الذاكرة، ويشعر صاحبه برغبة في السؤال عنه ومعاودة مجالسته. ظل حاضر الذهن، متقد الذاكرة حتى آخر لحظة، يستعرض القصص والأحداث بتفاصيلها، ويستشهد بالشعر في موضعه، ويناقش شؤون الحياة برأي صاغته التجربة. وكانت مجالسه تجمع الوقار وخفة الروح والمعرفة.
وفي مواقع عمله، كان محترفًا يعرف كيف يؤدي دوره ويترك بصمته، جامعًا بين قوة الشخصية وإتقان العمل، وهي شهادة يشهد بها كل من عرفه وعمل معه.
لكن، بعيدًا عن الرجل الذي عرفه الناس، كان أبي بالنسبة إليّ شيئًا آخر؛ كان أبي وصديقي ورفيق حديثي.
ولم يبدأ تعلقي به في سنوات عمري المتقدمة، بل رافقني منذ طفولتي، كما كانت تروي لي أمي، رحمها الله، التي سبقته إلى دار الحق. ومع مرور السنوات، نمت تلك المحبة معي، حتى أصبحت مجالسته متعة لا تشبهها متعة، وأحاديثه جزءًا من يومي، وصوته مألوفًا لقلبي.
وحين كانت المسافات تحول دون لقائنا، كان اتصالنا اليومي يجمعنا. نبدأ الحديث فلا نشعر بمرور الوقت، ونتنقل بين الذكريات والأحداث والنقاشات، من غير أن تنفد الحكايات. لم أكن أدرك أن تلك التفاصيل البسيطة ستصبح يومًا من أثمن ما أفتقده، وأنني سأشتاق إلى رنين الهاتف، لا لأسمع صوته فحسب، بل لأعود إلى تلك اللحظات التي كنت أظن أنها ستتكرر دائمًا.
رحل أبي، وبقيت في داخلي أحاديث كثيرة كنت أود أن أشاركه إياها، وأحداث أتمنى لو سمعت تعليقه عليها. وهذا من أقسى وجوه الفقد؛ أن يغيب الإنسان الذي اعتدت حضوره في تفاصيل حياتك، فتكتشف أن بعض العلاقات لا يعوضها أحد، وأن بعض الأصوات تظل تسكن القلب مهما طال الصمت.
لكن حكاية أبي لا تكتمل إلا بأمي. كانت أمي، رحمها الله، امرأة ذكية، صاحبة رأي وبصيرة، وذات قدرة لافتة على التعامل مع مختلف المواقف. عرفت كيف تتعامل مع شخصية أبي القوية وحضوره اللافت بحكمة وتوازن، ونشأت بينهما شراكة مميزة، احتفظ فيها كل منهما بشخصيته ومكانته، وكان كل منهما يكمل الآخر.
وكان أبي كثيرًا ما يستشيرها، فإذا أبدت رأيها مازحها بقوله: «شاوروهن وخالفوهن». غير أنني، وأنا أستعيد تلك المواقف اليوم، أجد أنه كان يأخذ برأيها في كثير من الأحيان ويعمل بمشورتها. وقد عشت شاهدًا على ذلك، وأشهد أن أمي كانت صاحبة رأي وبصيرة، طيبة القلب كريمة النفس.
رحمك الله يا أبي، يا صاحب الهيبة والحضور، ويا رفيق الحديث الذي لا يغيب عن خاطري. ورحمكِ الله يا أمي، يا صاحبة القلب الكبير المحب لكل الناس، وجزاكِ عنّا خير الجزاء.
اللهم ارحمهما رحمة واسعة، واجعل مثواهما الجنة، واجمعنا بهما في مستقر رحمتك.
غاب أبي عن أعيننا، لكنه لم يغب عن مجالسنا وذاكرتنا وقلوبنا. وسيبقى حاضرًا في حكاياتنا، مهيبًا كما عرفناه، مفعمًا بالحياة كما أحب أن يكون… أبي الذي أفتخر به، والصديق الذي أشتاق إليه.





