ثمة صمت يسبق ارتقاء المنصة، يعرفه من اعتادوا قراءة ما وراء السياسة؛ صمتٌ ثقيل يُنذر بأن رصيد المجاملات قد استُنفد تماماً، وأن لغة المواربة لم يعد لها متسع فوق هذا المنبر الأممي العتيق.
وقف الملك عبدالله الثاني في نيويورك، ولم يكن المشهد بروتوكولياً بالمرة! ولا حمل الخطاب تلك النعومة الدبلوماسية التي تبتلع عادةً أروقة الأمم المتحدة وتهدئ روع الخلافات. بدا الملك قادماً من قلب جغرافيا تكتوي يومياً برائحة البارود، وتختنق بدخان الركام في غزة، وتتحسس جراحها الممتدة على أراضي الضفة الغربية المحتلة. جاء ليضع القادة والوفود أمام الحقيقة الصادمة دون تجميل؛ لقد سقطت الأقنعة السياسية، والمنظومة القانونية الدولية التي تفاخر بها العالم طوال عقود، ولم تعد سوى هيكل عاجز يقف مشلولاً ومتفرجاً أمام إبادة جماعية واعتداءات استيطانية، تُبث تفاصيلها على الهواء مباشرة أمام ضمائر نائمة.
الحديث عن فلسطين لم يكن استدعاءً لملف تفاوضي مؤجل أو إحياءً لمفردات التسوية المستهلكة، بل كان مرافعة أخلاقية حاسمة بوجه التواطؤ الجمعي. أن تُسمّى الأشياء بأسمائها الحقيقية هو الشجاعة بعينها، حيث لا سلام ولا استقرار دون استرداد الحق الإنساني الكامل للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة القابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، ويحملها الأردن شرف وأمانة وصايته التاريخية. فكل ما يُحاك خارج هذا المسار ليس سوى مشاريع وهمية وعبث خالص يدفع المنطقة برمتها نحو انفجار شامل ومجهول.
ثم، ينكسر الهدوء عند المفصل الأهم؛ ذلك الذي يمس وجداننا وثوابتنا الوطنية هنا في عمّان.
ارتفعت نبرة الحسم واضحة لا تقبل التأويل، حدود الأردن وسيادته خط أحمر لا تهاون فيه. لم تكن الكلمات مجرد عبارة إنشائية في سياق خطابي، بل عقيدة دولة راسخة وإعلان موقف لا رجعة عنه. أمن هذا الوطن، وترابه وتماسكه القومي، ومستقبل أجياله ليست مساحات للمناورة ولا أوراقاً للمساومة في مزادات الصفقات الإقليمية "المشبوهة" أو مشاريع تصفية القضية.
وجّه جلالته رسالة لا لبس فيها إلى المجتمع الدولي وإلى قادة التطرف التوسعي، حيث من يظن أن تمسك الأردن بالسلام وبنهج الحكمة الدبلوماسية هو علامة ضعف أو تردد، فهو جاهل بجوهر هذا البلد وصلابة جيشه ووحدة شعبه. الأردن لن يكون وطناً بديلاً لأحد، ولن يدفع قط فاتورة أحلام الهيمنة والنرجسية العسكرية.
نزل الملك عن المنبر تاركاً القاعة تواجه مرآة خيبتها الأخلاقية. فالمعركة القادمة ليست بيانات تُقرأ في جلسات عابرة، ومكتوبة بالحبر السري من النوع الذي يتلاشى مع الضوء، بل مواجهة حقيقية مع انهيار الضمير العالمي وازدواجية المعايير. لقد قرع الأردن الجرس بوضوح لا يتخطى السامعين، أنه إذا ما تركت ألسنة اللهب تلتهم الحقوق والعدالة والإنصاف، فلن ينجو أحد من شرارها، حتى أولئك الجالسين خلف محيطات العالم يتوهمون أن المسافات تحميهم!












