أراه في البيت، وفي العمل، وحتى في الانخراط في العمل العام، في البداية كنت أظنه خوفًا من السلطة أو من العقوبة أو من تبعات التعبير عن الرأي، لكنني مع الوقت بدأت أرى شيئًا آخر أكثر تعقيدًا: أن المجتمع نفسه أصبح في كثير من الأحيان منتجًا للخوف، وربما ناقلًا له من جيل إلى جيل.
نحن لا نتعلم الخوف فقط من القوانين أو من المؤسسات أو من أصحاب السلطة، أحيانًا نتعلمه من حكاية قديمة، ومن “خرّافة” ورثناها، ومن جملة قالتها لنا جدتنا، ومن تجربة عاشها شخص قبل عشرات السنين ثم أصبحت قاعدة اجتماعية لا يجوز التشكيك فيها.
“لا تعمل هيك، الناس بتحكي.”
“إياك تفتح هذا الموضوع.”
“خليك بعيد، بتجيب وجع راس لحالك.”
“إحنا جربنا قبل، وما صار معنا خير.”
“لا تختلف عن الجماعة.”
“لا ترفع سقف طموحك كثير.”
كم مرة نستخدم هذه الجمل دون أن نسأل: من أين جاء هذا الخوف أصلًا؟ وهل ما زال سببه موجودًا اليوم؟
ربما تكون المشكلة أن بعض مخاوفنا لم تعد مرتبطة بخطر حقيقي، وإنما أصبحت مرتبطة بذاكرة اجتماعية للخطر.
نحن نورث أبناءنا أحيانًا ليس فقط القيم والحكايات، وإنما أيضًا مخاوفنا. نحذرهم من العالم بناءً على ما عشناه نحن، وننقل لهم تجاربنا كأنها قوانين ثابتة. وقد تكون نيتنا في الأصل الحماية، لكن النتيجة أحيانًا تكون تقييد الإنسان قبل أن يبدأ.
الخرافة هنا لا تبقى مجرد حكاية قديمة نتداولها للتسلية، بل قد تتحول إلى واحدة من أدوات إنتاج الخوف الاجتماعي. فهي تمنح الخوف قصة، وتعطيه سببًا، وتضع أمام الإنسان نتيجة مخيفة إذا خرج عن السلوك الذي اعتاده المجتمع.
حين يُقال للطفل مثلًا إن فعلًا معينًا سيجلب له سوء الحظ، أو إن الاقتراب من شيء ما سيؤدي إلى مصيبة، أو إن مخالفة ما تعارف عليه الناس ستجلب غضبًا أو عقابًا غامضًا، فإن الرسالة لا تتوقف عند الخرافة نفسها. الرسالة الأعمق هي: لا تفعل، لا تسأل، لا تجرّب، لا تخرج عن المألوف.
ومع تكرار هذه الرسائل عبر الأجيال، تتحول الخرافة من قصة إلى سلوك، ومن سلوك إلى قاعدة اجتماعية، ومن القاعدة إلى خوف داخلي لا يحتاج إلى من يفرضه.
وهنا يصبح المجتمع شريكًا في إنتاج الخوف، حتى من دون أن يقصد ذلك.
قد لا يكون هناك شخص يقف ليمنعك، ولا قانون يعاقبك، ولا سلطة تراقبك؛ لكنك تتراجع لأنك تربيت على الاعتقاد بأن هناك ثمنًا سيأتي إذا خالفت ما تعارف عليه الناس.
وهذا هو الجانب الأخطر في الخوف الاجتماعي: أنه لا يحتاج دائمًا إلى حقيقة كي يستمر؛ يكفي أن تتوارثه الجماعة، وتعيد روايته، وتمنحه شرعية التكرار.
لذلك، فإن مواجهة ثقافة الخوف لا تعني فقط مواجهة مصادر الخوف الواضحة، بل تعني أيضًا مراجعة الحكايات والخرافات والمقولات التي نكررها لأبنائنا ولأنفسنا، ونسأل بصدق: أيّها يحمي الإنسان فعلًا، وأيّها فقط يمنعه من أن يعيش ويجرب ويختلف
وهكذا، يتحول الخوف إلى إرث اجتماعي.
الأمر لا يحدث في البيوت فقط. في أماكن العمل، قد تنتقل ثقافة الخوف بالطريقة نفسها. موظف جديد يسمع عن شخص “حكى كلمة” منذ سنوات ودفع ثمنها، فيتعلم أن الصمت أكثر أمانًا. شخص يريد أن يبادر أو يختلف، فيُحذَّر من تجارب قديمة لا علاقة مباشرة لها بواقعه الحالي. ومع الوقت، تصبح القصص القديمة جزءًا من قواعد غير مكتوبة تحكم السلوك.
وفي العمل العام، قد يكون الأمر أكثر وضوحًا. أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يتعرض فعلًا للعقوبة حتى يخاف. يكفي أن يسمع عشرات القصص عن شخص تحدث، أو شارك، أو اختلف، ثم “دفع الثمن”.
وهنا تصبح الحكاية أقوى من الواقع.
المشكلة ليست في القصص نفسها. فالذاكرة الاجتماعية مهمة، وتجارب الأجيال السابقة تستحق أن تُسمع. لكن المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع كل تجربة قديمة باعتبارها حقيقة أبدية، وعندما نستخدم الماضي لمنع الحاضر من التجربة.
ليس كل ما أخاف أجدادنا يجب أن يخيف أبناءنا.
هذه الجملة بالنسبة لي تستحق التوقف عندها.
لأن المجتمع الصحي لا يمحو ذاكرته، لكنه يعيد فحصها. يسأل: ما الذي كان صحيحًا في ذلك الوقت؟ ما الذي تغير؟ ما الذي ما زال يشكل خطرًا حقيقيًا؟ وما الذي تحول فقط إلى عادة اجتماعية نكررها دون أن نعرف لماذا؟
ربما حان الوقت لأن نميز بين الحذر والخوف، وبين الحكمة والخرافة، وبين حماية الإنسان وتقييده.
فأحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى من يمنعه.
يكفي أن يكون قد تربّى على الخوف من شيء لم يختبره أصلًا.
وهنا تصبح مسؤوليتنا ليست فقط أن نسأل: من يخيف المجتمع؟
بل أيضًا:
من الذي نعلّمه نحن أن يخاف؟
وماذا لو كانت بعض القيود التي نظن أنها مفروضة علينا من الخارج، قد أصبحت موجودة في داخلنا لأننا ورثناها، وكررناها، ثم نقلناها بدورنا إلى الجيل القادم؟
ربما تبدأ مقاومة ثقافة الخوف من سؤال بسيط جدًا:
“لماذا أخاف؟ ومن أين تعلمت هذا الخوف؟”
فليس كل خوف حقيقة.
وبعض المخاوف ليست سوى قصص قديمة تنتظر منا أن نتوقف عن تصديقها.
و هنا أعرج على موضوع الأحزاب، فأنا بالبداية و النهاية اعشق الكلم و السياسة.
ليس باعتبار السياسة صراعًا على المواقع، وإنما باعتبارها مساحة لفهم المجتمع والمشاركة في تشكيل مستقبله. ولهذا تحديدًا يصعب عليّ أن أتجاهل سؤال الخوف عندما أفكر في علاقتنا بالعمل العام والأحزاب السياسية.
كم مرة نسمع: “لا تدخل بالسياسة.”
وكأن السياسة شيء يجب أن نبتعد عنه، لا مساحة من مساحات المواطنة.
كم مرة يخاف الإنسان من إعلان انتمائه أو موقفه السياسي، ليس لأنه ارتكب خطأ، وإنما لأنه يخشى أن يُصنَّف، أو أن يُساء فهمه، أو أن يخسر علاقة، أو فرصة، أو قبولًا اجتماعيًا؟
وهنا نعود إلى النقطة نفسها: الخوف الذي بدأ كحكاية قديمة يمكن أن يتحول في النهاية إلى مواطن صامت.
وإذا كنا نريد فعلًا مجتمعًا أكثر مشاركة، فإننا لا نستطيع أن نطلب من الناس أن ينخرطوا في العمل العام بينما نربيهم في الوقت نفسه على الخوف من الاختلاف.
لا يمكن أن نطلب من الشباب أن يشاركوا سياسيًا، ثم نعلّمهم أن السياسة “وجع رأس”.
ولا يمكن أن نتحدث عن الأحزاب باعتبارها جزءًا من الحياة الديمقراطية، بينما يظل الانتماء الحزبي في الوعي الاجتماعي شيئًا يجب إخفاؤه أو الاعتذار عنه.
الاختلاف السياسي ليس خيانة.
والانخراط في العمل العام ليس تهورًا.
والسؤال ليس لماذا يختلف الناس، بل هل نستطيع أن نختلف دون أن نخاف من بعضنا؟
ربما تبدأ السياسة الحقيقية من هنا: من الإنسان الذي يمتلك الشجاعة ليقول “أنا أختلف”، ومن المجتمع الذي يمتلك النضج ليستمع إليه دون أن يحوله إلى خصم.
ربما تبدأ مقاومة ثقافة الخوف من سؤال بسيط جدًا:
“لماذا أخاف؟ ومن أين تعلمت هذا الخوف؟”
فليس كل خوف حقيقة.
وبعض المخاوف ليست سوى قصص قديمة تنتظر منا أن نتوقف عن تصديقها.
وربما تكون أول خطوة نحو مجتمع أكثر حرية ليست أن نتوقف عن الخوف تمامًا، بل أن نتعلم ألا نسمح للخوف بأن يختار عنا.










