شنيكات لـ"صدى الشعب": التوسع الاستطاني في الضفة الغربية هدفه دفن مشروع الدولة الفلسطينية نهائياً
شنيكات: الاحتلال يسحب صلاحيات السلطة الفلسطينية تمهيداً لإنهاء دورها بالكامل
شنيكات: الاحتلال الاسرائيلي يسعى لاحتلال 70% من غزة وإعادة الاستيطان في القطاع
شنيكات: المشروع التوسعي الإسرائيلي يشكل أخطاراً جسيمة ومباشرة على الأردن
شنيكات: العالم يرفض الاستيطان لفظياً لكنه يفشل في وقف مخططات الاحتلال عملياً
شنيكات: انشغال العرب بأزماتهم الداخلية ساهم في تراجع التفاعل مع القضية الفلسطينية
صدى الشعب - سلمى الناطور
لا تبدو الإعلانات الأخيرة المتعلقة ببناء وتوسيع المستوطنات في الخليل وأريحا وشمال الضفة الغربية مجرد مشاريع إسكانية جديدة، بقدر ما تعكس مساراً متواصلاً من التغييرات الميدانية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية. فمع كل توسع استيطاني جديد تتبدل خرائط السيطرة، وتتقلص المساحات المتاحة للفلسطينيين، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من آثار سياسية وجغرافية وديمغرافية متراكمة لهذه السياسات.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التصعيد الاستيطاني خلال العامين الأخيرين، إذ تشير بيانات صادرة عن جهات حقوقية إسرائيلية ودولية إلى أن عدد الوحدات الاستيطانية التي صودق عليها أو تم الدفع بها في مراحل التخطيط في الضفة الغربية شهد ارتفاعاً ملحوظاً، إلى جانب توسع البؤر الاستيطانية غير المرخصة، والتي تُعتبر أحد أبرز أدوات فرض الوقائع على الأرض. كما تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن وتيرة المصادقة على مشاريع استيطانية جديدة تسارعت بالتوازي مع اتساع رقعة السيطرة الميدانية في مناطق متفرقة من الضفة.
دفن حل الدولتين
أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية خالد شنيكات، أن الاتجاه العام لما يجري في الضفة الغربية يعكس توجهاً واضحاً ً للاحتلال الاسرائيلي نحو تنفيذ مشروع توسع استيطاني شامل، يتضمن بناء مستوطنات جديدة بصورة متسارعة، في إطار سياسة تهدف إلى إنهاء فكرة قيام الدولة الفلسطينية بشكل نهائي ودفن كل المساعي المرتبطة بحل الدولتين.
وقال شنيكات، إن ما يجري على الأرض، سواء من إعلان بناء مستوطنات جديدة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بما في ذلك مشاريع معلنة في الخليل وأريحا، ومن بينها مشروع إقامة مدينة مخصصة للحريديم تحت اسم “النخيل”، يؤكد أن الحديث الدولي المتكرر عن حل الدولتين بات يتناقض بشكل واضح مع الواقع الفعلي الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الأرض.
وأوضح أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية، إلى جانب الوزراء المتطرفين فيها، تعمل بصورة منهجية على القضاء نهائياً على أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وأشار إلى أن التغييرات الديموغرافية والجغرافية الواسعة التي تحدث في الضفة الغربية، إلى جانب التوسع الاستيطاني المتواصل وحملات الاعتقال المستمرة، تعكس سياسة عامة يمكن وصفها بسياسة “الاستئصال” الموجهة ضد الفلسطينيين.
وأضاف أن التصرفات الاستفزازية التي ينفذها مستوطنون الاحتلال الإسرائيلي بشكل متواصل تعزز هذا النهج القائم على الإقصاء والاستئصال، لافتاً إلى أن خطورة هذه السياسات دفعت شخصيات بارزة داخل الكيان الاسرائيلي إلى التحذير منها، حيث جرى الإعلان مؤخراً عن رسالة وقّعها عدد من الشخصيات الإسرائيلية، من بينهم يهود باراك ويهود أولمرت، إلى جانب ضباط كبار متقاعدين في جيش الاحتلال، حذروا فيها من تداعيات استمرار هذه السياسات.
العين على غزة
وأشار إلى أن هذه الممارسات تلقى رفضاً دولياً واضحاً، إلا أن هذا الرفض لا يزال غير حاسم وغير مؤثر عملياً، موضحاً أن العديد من الدول الأوروبية لا تزال تعلن تأييدها لحل الدولتين، لكنها في المقابل لا تتخذ سياسات عملية أو إجراءات حقيقية تجاه المستوطنين أو تجاه التصرفات الاستفزازية التي يقودها وزير الأمن القومي للاحتلال إيتمار بن غفير ووزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، خاصة فيما يتعلق بالاعتداءات المتكررة على الأماكن المقدسة.
وبيّن أن الخطورة لم تعد تقتصر على الضفة الغربية فقط، إذ تمتد كذلك إلى قطاع غزة، حيث الاحتلال إلى توسيع احتلالها ليصل إلى ما يقارب 70 بالمئة من مساحة القطاع، مشيراً إلى أن وزير مالة الاحتلال سموتريتش أعلن صراحة مطالبته بإعادة الاستيطان في غزة، في وقت تتصاعد فيه أيضاً الدعوات داخل حكومة الكيان للتوسع الاستيطاني في جنوب لبنان.
وأكد أن هذه التصريحات والمواقف تكشف بوضوح عن وجود مشروع توسعي احتلالي قائم على فكرة “إسرائيل الكبرى”، وهي فكرة لا يخفيها قادة حكومة الاحتلال الحالية، بل يعبرون عنها بشكل صريح ومتكرر في تصريحاتهم السياسية.
إنهاء السلطة الفلسطينية
وحول التطورات الميدانية، قال شنيكات إن الاحتلال، وخلال حرب الإبادة التي شنها على قطاع غزة، عمد بالتوازي إلى تدمير أماكن تجمع الفلسطينيين، لا سيما المخيمات الفلسطينية في جنين ومخيم عقبة جبر ومخيمات أخرى في طولكرم، في محاولة واضحة لتغيير الواقع الديموغرافي الفلسطيني ومنع استمرار وجود تجمعات فلسطينية فاعلة ومتماسكة.
وأضاف أن الأخطر من ذلك تمثل في قيام سلطات الاحتلال بسحب صلاحيات كانت سابقاً محصورة بالسلطة الفلسطينية، رغم التنسيق القائم بينها وبين جانب الاحتلال، خاصة فيما يتعلق بالملفات الأمنية والتنسيق الميداني وملاحقة المقاومين الفلسطينيين، حيث جرى نقل هذه الصلاحيات مباشرة إلى سلطات الاحتلال حتى في المناطق المصنفة ضمن مناطق (أ)، والتي يفترض أنها تخضع بالكامل للإدارة الفلسطينية.
وأشار إلى أن ذلك تجسد بوضوح في ما جرى بمدينة الخليل، بما فيها منطقة الحرم الإبراهيمي “مقام الخليل”، إضافة إلى ما يحدث في القدس، وفي المناطق المصنفة (ج)، والتي أصبح الاحتلال يفرض عليها سيطرة فعلية كاملة.
وفيما يتعلق بمستقبل السلطة الفلسطينية، قال شنيكات إن دور السلطة اليوم بات يقتصر بشكل متزايد على القيام بوظيفة أمنية مرتبطة بضبط حركة الشارع الفلسطيني، مرجحاً أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات للاحتلال الاسرائيلي للتخلص منها نهائياً، خاصة في ظل التصريحات الصادرة عن بن غفير وسموتريتش التي تتحدث عن انتهاء دور السلطة الفلسطينية واعتبارها عائقاً أمام مشروع الدولة (الإسرائيلية) أحادية القومية.
وأوضح أن هذا المشروع يقوم على فكرة إقامة دولة (إسرائيلية) “نقية قومياً”، لا مكان فيها لأي أعراق أو هويات أخرى، مشيراً إلى أن استمرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية قد يقود خلال المرحلة المقبلة إلى إسقاط سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، رغم التعاون الكبير الذي أبداه عباس عبر التنسيق الأمني مع الاحتلال، والذي ساهم في تسهيل سيطرة جيش الاحتلال على أي تحركات أو تظاهرات أو نشاطات فلسطينية مناهضة للاحتلال.
العرب والعالم غياب والأردن سيواجه السياسات
وحول الموقف الشعبي والدولي، يعتقد شنيكات أن الرأي العام العالمي ليس حاضر بالشكل الكافي تجاه ما يجري في الضفة الغربية، مؤكداً أن الاهتمام الدولي بهذه التطورات لا يزال محدوداً، كما أن الرأي العام العربي هو الآخر منشغل بقضايا داخلية متعددة، الأمر الذي انعكس على مستوى التفاعل مع القضية الفلسطينية.
وأضاف أن المواطن العربي اليوم بات منشغلاً بقضايا حياتية يومية ضاغطة، مثل الفقر والبطالة والجوع والمخدرات والعنوسة وتحديات المعيشة، إلى جانب حالة إحباط عامة ناتجة عن غياب القدرة على التأثير في الواقع السياسي القائم، الأمر الذي انعكس على تراجع حجم التفاعل الشعبي العربي مع التطورات الفلسطينية.
وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي مارس ضغوطاً كبيرة خلال الفترة الماضية بهدف ضمان تنفيذ أجندته السياسية بشكل حاسم، لافتاً إلى أن الاستخدام المفرط للقوة من قبل الاحتلال يحمل رسالة واضحة إلى الدول العربية مفادها أن أي طرف يحاول مقاومة هذه السياسات أو معارضتها سيواجه إجراءات قاسية وحاسمة.
وأكد على أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة بالنسبة للفلسطينيين، مشدداً على أن الأردن معني بشكل مباشر بمواجهة سياسات الاحتلال الاسرائيلي، نظراً لما تشكله من تأثيرات مباشرة على أمنه الوطني.
بين الوقائع السياسية والواقع الميداني
وبينما تتواصل مشاريع التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، يرى مراقبون أن القضية لم تعد تتعلق بعدد الوحدات الاستيطانية أو مواقعها فحسب، بل بطبيعة الواقع الذي يجري تكريسه على الأرض.
فالتغييرات الجغرافية والإدارية المتراكمة تعيد رسم المشهد الفلسطيني عاماً بعد آخر، وتفرض معادلات جديدة تتجاوز حدود البناء إلى شكل المستقبل السياسي والجغرافي للضفة الغربية.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى الضفة الغربية أمام مرحلة حساسة تتقاطع فيها التحولات الميدانية مع أسئلة سياسية مفتوحة، فيما يستمر الواقع على الأرض بالتغير بوتيرة أسرع من أي مسار سياسي موازٍ.













