صدى الشعب _ أسيل جمال الطراونة
قالت أستاذة العلوم السياسية الدكتورة أريج جبر إنه لا يمكن فهم ما يجري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بوصفه حرباً تتجه نحو الحسم العسكري، بقدر ما هو صراع لإدارة التصعيد وإعادة تشكيل موازين القوة قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
وأوضحت جبر أن المشهد الحالي لا يعكس رغبة أي من الطرفين في الذهاب إلى مواجهة شاملة، بقدر ما يعكس سعياً متبادلاً إلى رفع كلفة المواجهة وتحسين الموقع التفاوضي وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ورغم التصعيد العسكري المتبادل وارتفاع حدة الخطاب السياسي، فإن المؤشرات حتى هذه اللحظة تدل على أن الحرب الشاملة ليست الخيار المطروح. فالولايات المتحدة تتحدث عن موجات عسكرية تنتهي ثم تعود، دون أن تعلن توجهها نحو حرب مفتوحة، فيما تعتمد إيران سياسة التدرج في الرد، وتمنح في كثير من الأحيان مهلاً قبل الانتقال إلى مستويات أعلى من التصعيد.
وترى جبر أن ذلك يؤكد أن الطرفين ما زالا يتحركان ضمن مساحة يمكن ضبطها، مع إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً، ومن هنا، تبدو العودة إلى المفاوضات الاحتمال الأكثر ترجيحاً، لكنها لن تكون مفاوضات تبحث عن السلام بقدر ما ستكون مفاوضات "محمولة على النار"، تأتي بعد أن يحاول كل طرف تحسين شروطه ورفع أوراق القوة التي يمتلكها.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى دفع إيران نحو الاستجابة لشروطها، فيما تعمل إيران على تحسين موقعها التفاوضي عبر تعظيم كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، ولذلك فإن التصعيد العسكري الحالي ليس منفصلاً عن المسار السياسي، بل يمثل امتداداً له.
وفي هذا السياق، تعمل الولايات المتحدة على رفع سقف الضربات العسكرية بعدما توصلت، وفق جبر، إلى قناعة بأن الضربات السابقة لم تؤد إلى انكسار الداخل الإيراني. ولذلك اتجهت إلى استهداف البنية التحتية وشبكات الكهرباء والمياه والجسور والطرق، وكل ما يرتبط بمقومات الحياة، في محاولة لعزل المدن الإيرانية عن بعضها البعض وإضعاف قدرة الدولة على إدارة المشهد الداخلي، بما يخلق ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة على المواطنين.
ولا يقتصر الهدف الأمريكي على إحداث خسائر مادية، وإنما يمتد إلى محاولة التأثير في الحاضنة الشعبية الإيرانية ودفعها إلى تحميل النظام مسؤولية استمرار الحرب، بما يخلق سقفاً أعلى من الضغوط الداخلية ويؤثر في طبيعة القرار السياسي الإيراني.
في المقابل، تتحرك إيران وفق معادلة تقوم على توسيع دائرة الهجوم وتعميم الكلفة، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة بينها وبين الولايات المتحدة، وإنما تمتد آثارها إلى مختلف الأطراف المرتبطة بهذا الصراع.
وقالت جبر إن إيران تسعى إلى اتباع سياسة "الموازاة بالضرر"، بحيث يشعر الجميع بكلفة الحرب، أملاً في دفع القوى الإقليمية والدولية إلى الضغط باتجاه العودة إلى المفاوضات. كما تحاول توسيع بيئة العمليات وتحويلها إلى مساحة ضغط سياسي وعسكري في آن واحد، بما يرفع كلفة استمرار المواجهة على خصومها.
وفي الداخل الإيراني، تدرك القيادة أن تماسك الجبهة الداخلية يمثل أحد أهم عناصر القوة في هذه المرحلة، ولذلك تركز على تعزيز اللحمة الوطنية والتأكيد أن ما تتعرض له إيران هو استهداف للدولة والمجتمع، وليس للنظام السياسي وحده.
وفي المقابل، تراهن الولايات المتحدة على أن الضغوط الاقتصادية واستهداف البنية التحتية سيؤديان إلى اتساع حالة السخط الداخلي.
ومع ذلك، تؤكد جبر أن المعارضة داخل إيران ليست نتاج هذه الحرب، بل هي سابقة عليها، مشيرة إلى أن البلاد شهدت منذ عام 2022 ارتفاعاً في سقوف الاحتجاجات على خلفية تقييد الحريات والأوضاع الاقتصادية.
وأضافت أن الحرب تكشف حجم الأزمات الداخلية وتضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يضع النظام الإيراني أمام تحدي إدارة الحرب وإدارة الداخل في الوقت ذاته.
مضيق هرمز ورقة ضغط في المواجهة
أما مضيق هرمز، فيبقى إحدى أهم أوراق الضغط في هذه المواجهة، إذ تحاول إيران تحويل ما يجري فيه إلى أزمة لا تخص الخليج أو الشرق الأوسط فحسب، وإنما تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، من خلال مراكمة الكلف وتعطيل حركة الطاقة والتجارة.
وفي المقابل، تتجه العديد من الدول إلى البحث عن مسارات بديلة، إلا أن هذه البدائل لا تزال حلولاً طارئة وتسكينية، ولا يمكن أن تشكل بديلاً دائماً عن مضيق هرمز في المدى المنظور.
وترى جبر أن المبالغة في الحديث عن تجاوز أهمية المضيق تدخل أيضاً في إطار الحرب الإعلامية والنفسية الموجهة ضد إيران. وفي الوقت ذاته، كشفت الأزمة الحاجة إلى أن تتجه الدول العربية نحو مشاريع استراتيجية دائمة تقلل من الاعتماد على المضيق، بدلاً من الاكتفاء بحلول مؤقتة تفرضها الأزمات.
وفي موازاة ذلك، تتحمل المنطقة العربية جزءاً كبيراً من كلفة هذا الصراع، فكلما اتسعت دائرة العمليات العسكرية ازدادت الضغوط الأمنية والاقتصادية على دول المنطقة.
وأوضحت جبر أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، يجد نفسه ضمن أكثر الدول تأثراً بتداعيات هذا التصعيد، في وقت تتوسع فيه بيئة الاستهداف لتشمل ساحات متعددة في الإقليم. ولذلك، فإن الخسائر لم تعد مقتصرة على الولايات المتحدة أو إيران، وإنما أصبحت خسائر إقليمية تطال الجميع بدرجات متفاوتة.
وعلى المستوى السياسي، ترى جبر أن انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران لم يكن مفاجئاً، لأنها صيغت بطريقة سمحت لكل طرف بتفسيرها وفق مصالحه، دون وجود ضمانات واضحة أو آليات تنفيذ ملزمة أو حوافز حقيقية تدفع نحو الالتزام بها.
وأضافت أن حالة انعدام الثقة بين الطرفين، واختلاف العقائد السياسية، واستمرار العقوبات والالتفاف على الالتزامات، كلها عوامل جعلت المذكرة أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى اتفاق قابل للحياة والاستمرار.
وخلصت جبر إلى أن ما يجري اليوم لا يمثل نهاية الصراع، كما أنه لا يعكس بداية حرب شاملة، وإنما مرحلة لإعادة تشكيل موازين القوة. فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض شروطها عبر الضغط العسكري والاقتصادي، فيما تعمل إيران على رفع كلفة المواجهة لتحسين موقعها التفاوضي.
وبين هذين المسارين، تبقى العودة إلى المفاوضات هي الاحتمال الأكثر حضوراً، لكنها ستكون مفاوضات تُبنى على موازين القوة التي تُرسم اليوم في الميدان، أكثر مما تُبنى على الرغبة في الوصول إلى تسوية نهائية.













