صدى الشعب – كتب محمد علي الزعبي
حين تجالس دولة هاني الملقي، لا تكون أمام رجل دولة تقليدي يعيد إنتاج المألوف، بل أمام فكرٍ استراتيجيٍّ متحرّك، يعمل خارج القوالب، ويستشرف المشهد من زوايا لا تُرى بسهولة، هو من أولئك القلائل الذين لا يكتفون بقراءة الواقع، بل يعيدون صياغته ذهنيًا قبل أن يتحوّل إلى سياسات.
الملقي ليس مجرد سياسي مرّ في المشهد، بل هو حالة فكرية قائمة بذاتها في فهم الدولة كمنظومة متكاملة؛ حيث الاقتصاد ليس أرقامًا جامدة، والسياسة ليست خطابات عابرة، بل شبكة دقيقة من القرار والرؤية، والتوازن المحسوب بين الممكن والمطلوب.
في أطروحاته الاقتصادية، يذهب الملقي إلى ما هو أبعد من الحلول المرحلية، يؤمن أن الاقتصاد الأردني لا يمكن أن ينهض بعقلية “الترقيع”، بل بإعادة تعريف دوره الإقليمي، واستثمار موقعه الجيوسياسي كجسر فاعل لا كطرف هامشي، حديثه الاقتصادي مشبع ببعد سيادي واضح؛ إذ يرى أن الاستقلال الاقتصادي هو الامتداد الحقيقي للاستقرار السياسي، وأن بناء اقتصاد متين لا يتحقق إلا عبر قرارات جريئة، حتى وإن بدت كلفتها عالية في المدى القصير.
أما في السياسة، فإن فكره لا يقف عند حدود ردّ الفعل، بل يؤسس لمنهج استباقي واعٍ، يدرك أن المنطقة تتحرك على إيقاع تحولات متسارعة، وأن من لا يمتلك رؤية مستقبلية، سيتحوّل إلى رقم في معادلات الآخرين،، لذلك، يقوم طرحه على قراءة عميقة لموازين القوى، مقرونة بمرونة ذكية في أدوات التعاطي، دون المساس بثوابت الدولة.
ما يميّز الملقي حقًا هو ذلك العمق الذي يتجلّى في جلساته الخاصة قبل العلنية، هناك، حيث تتدفق الأفكار بثقة، ويتجاوز التحليل سطح الأحداث إلى جذورها، تشعر أنك أمام أفق مفتوح، يربط بين المحلي والدولي، بين الاقتصاد والسياسة، بين الواقع والطموح، في لوحة فكرية متماسكة تعكس عقل دولة لا عقل مرحلة.
فكره المستقبلي لا يقوم على التمنّي، بل على إدراك دقيق بأن الأردن يمتلك فرصًا كامنة، تنتظر من يقرأها بوعي ويحوّلها إلى مشاريع قابلة للحياة، هو من القلائل الذين يرون في التحديات فرصًا مؤجلة، وفي الأزمات لحظات لإعادة التموضع لا للانكفاء.
قد يُختلف معه، وقد تُناقش تجربته، لكن ما لا يمكن تجاوزه أن هاني الملقي يمثل نموذجًا لرجل دولة يفكر بعمق، ويتحدث بثقة، ويرى ما وراء الأفق، حضوره ليس عابرًا، وفكره ليس تقليديًا، بل هو امتداد لرؤية تستحق أن تُقرأ بعناية.
في زمن الضجيج السياسي، يبقى الملقي من أولئك الذين لا يرفعون الصوت بقدر ما يرفعون مستوى الفكرة… وتلك هي المعادلة الأصعب، والأبقى.






