النوايسة: المحطات التقويمية لا تكفي لقياس الطلبة
النوايسة: نتيجة الطالب يجب أن تكشف نقاط القوة والضعف لا أن تختزل في «علامة»
النوايسة: التشخيص المتأخر يفقد المحطات التقويمية جزءًا مهمًا من قيمتها التربوية
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
مع دخول قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رقم (13) لسنة 2026 حيز التنفيذ، تتوسع وظيفة المحطات التقويمية من قياس مستوى الطلبة إلى تشخيص نواتج التعلم والكفايات، مع إتاحة الاستفادة من نتائجها ضمن معايير توزيع الطلبة على المسارين الأكاديمي والمهني.
ولا تتوقف القيمة التربوية لهذه المحطات عند استخراج النتائج، بل تبرز في كيفية توظيفها داخل المدرسة، ومدى قدرة المعلمين والإدارات المدرسية على قراءة البيانات وتحويلها إلى تدخلات تعالج فجوات التعلم وتعزز نقاط القوة لدى الطلبة.
ومع بدء تطبيق هذا التوجه، يبرز السؤال حول ما الذي يجب أن يحدث بعد ظهور النتائج، وكيف يمكن الانتقال من «القياس» إلى «التدخل» بما يجعل التقويم أداة لتحسين تعلم الطلبة، وليس مجرد وسيلة جديدة للاختبار والتصنيف.
التحول من الحفظ إلى قياس الكفايات
وبهذا الإطار، قال الخبير التربوي عايش النوايسة، إن التطورات العلمية والتقنية والرقمية أحدثت تأثيرًا كبيرًا في قطاع التربية والتعليم، ولا سيما في عمليات التعلم والتعليم داخل الغرفة الصفية، ما يستدعي أن يرافق هذا التطور تحول مماثل في أساليب تقويم الطلبة وأدواته.
وأوضح النوايسة خلال حديثه لـ«صدى الشعب»، أن الأدوات الرقمية أصبحت عنصرًا مهمًا في المنهاج المدرسي وفي جل الأنشطة التعليمية واستراتيجيات التعلم والتعليم، التي باتت مرتبطة إلى حد كبير بتوظيف الأدوات التقنية في تعليم الطلبة.
وأشار إلى أن هذا التطور في عملية التعلم يجب أن يرافقه تطور في عمليات التقويم التي تعتمد، بصورة كبيرة، على الاختبارات التحصيلية باعتبارها الوسيلة الأكثر استخدامًا في المدارس حتى الوقت الحاضر.
وبين أن أهداف التربية والتعليم تغيرت بصورة كبيرة، فلم تعد ترتكز على العمليات التقليدية القائمة على التلقين وحفظ المعلومات واسترجاعها، وإنما أصبحت تتجه إلى تعليم جيل قادر على الاستكشاف والبحث والتحليل والتعليل وحل المشكلات، الأمر الذي يتطلب توظيف استراتيجيات وأدوات تقويم داعمة للاختبارات المدرسية ومكملة لها.
وأشار إلى أن مفهوم التقويم الدراسي تطور وأصبح له أهداف متعددة، من بينها التقويم المرتكز على كفايات الطلبة، والذي يقيم الطلبة في المواقف الحقيقية لعمليات التعلم، ويستند إلى معايير محددة ترتبط بالكفايات والمهام التعليمية، ويرتبط كذلك بتقويم عمليات نمو الطلبة وإشراكهم في تقويم أنفسهم من خلال ممارسة عملية التقويم الذاتي.
ولفت إلى أن أغلب النظم التربوية اتجهت إلى التقويم الواقعي الذي يستند إلى التقويم الحقيقي للطلبة أثناء عملية التعلم، وبالتالي يركز على الأداء والكفايات وليس فقط على الحفظ والتلقين.
التقويم التقليدي لا يقدم صورة كافية عن تعلم الطالب
وأكد النوايسة ضرورة التحول إلى التقويم الواقعي بكل أدواته وأنواعه، موضحًا أن التقويم التقليدي يرتكز على الاختبارات بمختلف صورها، ويُعطى مرة واحدة أو عدة مرات في العام الدراسي بهدف الحصول على معلومات عن تحصيل الطلبة وتقديمها لأولياء الأمور وغيرهم من المعنيين.
وقال إن هذا النوع من التقويم لا يؤثر بصورة إيجابية في التعليم، لأنه يقيس مهارات ومفاهيم بسيطة يتم التعبير عنها بأرقام لا تقدم معلومات ذات قيمة كافية عن تعلم الطالب، ولا يمكن من خلالها تحديد نتائج التعلم التي أتقنها الطلبة.
وأضاف أن الطلبة في التقويم التقليدي يمثلون محور التقويم، إلا أنهم لا يشاركون في تقويم أنفسهم، مبينًا أن التطور الذي شهده مفهوم التقويم جعله أكثر شمولًا، وأصبح للطالب دور مهم فيه، إلى جانب أخذ التقويم بعين الاعتبار مشاركة المجتمع وأولياء الأمور، ومراقبة تعلم الطلبة وتعليمهم وفهم احتياجاتهم ومواطن القوة لديهم.
وبين أن ذلك يتطلب استراتيجيات متنوعة للتقويم ونماذج وأدوات للحصول على المعلومات، مؤكدًا أن وجود نمط واحد من التقويم لا يكفي للقيام بهذا الدور المتعدد الجوانب.
المحطات التقويمية جزء من منظومة متكاملة
وأكد أن التقويم المنشود اليوم يجب أن يركز على عمليات التقويم التي تعمل على تطوير المهارات الحياتية والعقلية لدى الطلبة، وأن يسهم في تجويد مخرجات التعليم من خلال تنمية المهارات وتعزيز قدرات الطلبة في تقويم أنفسهم وتحسين أدائهم، بما يحقق مخرجات تعليمية ذات جودة عالية.
وأشار إلى أن أسس النجاح والإكمال والرسوب للعام الدراسي 2026-2027 شهدت تطورًا ملحوظًا لتخفيف التركيز على التقويم الكتابي، أي الاختبارات، والتحول نحو التقويم المعتمد على الأداء.
وبين أن التقويم المعتمد على الأداء أُعطي وزنًا يبلغ 40 بالمئة من الدرجات، مقابل 60 بالمئة للاختبارات، معتبرًا أن ذلك يشكل تطورًا مهمًا ويمنح المعلم فرصة لتتبع تعلم الطلبة وتقديم التغذية الراجعة الفورية.
وفي مجال التقويم على مستوى النظم، قال النوايسة إن القانون الجديد برز فيه مفهوم المحطات التقويمية، والتي تمثل، وفق القانون، أداة قياس تستخدم لغايات تشخيصية أو لتصنيف الطلبة.
وأكد أن القيمة التربوية لهذه المحطات تتجاوز مجرد القياس والتصنيف، لتكون جزءًا من منظومة متكاملة تبدأ بقياس الأداء وتحليل النتائج وتشخيص نقاط القوة والضعف، يليها تقديم تدخلات علاجية للطلبة المحتاجين إلى الدعم، وأخرى إثرائية للطلبة المتفوقين، مع متابعة أثر هذه التدخلات وإعادة القياس.
وحذر من أن أي خلل في هذه السلسلة، سواء كان بسبب تأخر النتائج أو تجميعها في درجات كلية أو غياب القدرة على قراءتها وتحليلها، يحول المحطات إلى مجرد أداة للتصنيف والمحاسبة دون أن تترك أثرًا فعليًا في التعلم.
وشدد على ضرورة توظيف نتائج المحطات بصورة متكاملة وفي الوقت المناسب، حتى تؤدي الغاية التربوية المنشودة منها.
تقارير تشخيصية تصل إلى المعلم والطالب
وأوضح أن الانتقال من مجرد القياس إلى التوظيف التربوي الفعلي يتطلب وجود تقارير تشخيصية دقيقة ومفصلة تصل إلى المدرسة والمعلم والصف والطالب، وتحدد بدقة الكفايات والمهارات ونقاط القوة والضعف، بما يمكن من اختيار التدخل المناسب.
وأكد أن التشخيص المتأخر يفقد النتائج جزءًا مهمًا من وظيفتها التربوية، لأن قيمة البيانات ترتبط بقدرة المدرسة والمعلم على استخدامها في الوقت الذي يمكن فيه التدخل لمعالجة مواطن الضعف وتعزيز جوانب القوة.
ولتحقيق ذلك، دعا إلى توفير منصة رقمية تمكن المعلم من الوصول إلى نتائج طلبته وتحليلها ومتابعة تطورهم، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في قراءة البيانات، فضلًا عن وجود فريق تقويم مدرسي أو أخصائي دعم تعلم يربط النتائج بالخطط الصفية ويقدم الدعم الفني للمعلمين.
تمكين المعلم من قراءة البيانات وبناء التدخلات
وأشار النوايسة إلى أهمية تمكين المعلم من إجراء القراءة التشخيصية للبيانات وتحديد أنماط الضعف والقوة، وبناء الخطط الفردية والجماعية، وتوظيف التدريس المتمايز من خلال أنشطة ومهام متعددة المستويات.
وأكد ضرورة وضع خطط دعم للطلبة الأقل أداءً، وخطط إثرائية للطلبة المتفوقين، مع اعتماد التقويم التكويني المستمر لمتابعة أثر التدخلات بين المحطات التقويمية.
وعلى مستوى الإدارة المدرسية، قال النوايسة إن نتائج التقويم يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من خطط تحسين المدرسة ومرجعًا أساسيًا لاتخاذ القرارات، بما في ذلك تخصيص حصص إضافية وفق احتياجات الطلبة.
وأكد أهمية بناء ثقافة مدرسية تتعامل مع نتائج التقويم بوصفها أداة للتطوير والتحسين، وليست مجرد وسيلة للمحاسبة، بحيث تصبح البيانات أساسًا لفهم احتياجات الطلبة واتخاذ القرارات التعليمية المناسبة.
وشدد على أهمية إشراك أولياء الأمور في متابعة نتائج أبنائهم بصورة آمنة وسرية، بما يساعدهم على دعم نقاط الضعف وتعزيز نقاط القوة، مع الحرص في الوقت ذاته على حماية الطلبة من الوصم وضمان سرية النتائج الفردية.
وأوضح أن التعامل مع النتائج ينبغي أن يركز على دعم تعلم الطالب وتطوير أدائه، وليس على وضعه في إطار تصنيفي ثابت يمكن أن يؤثر في نظرته إلى قدراته أو في تعامل الآخرين معه.
برنامج وطني لبناء قدرات المعلمين
وأكد النوايسة ضرورة معالجة فجوة القدرات من خلال إطلاق برنامج وطني مستمر لتدريب المعلمين على تحليل البيانات واتخاذ القرارات المبنية عليها، إلى جانب توفير المرونة اللازمة للتدخلات العلاجية.
كما دعا إلى تفعيل دور أخصائيي التقويم والمشرفين التربويين في بناء قدرات المدارس والمعلمين، واعتماد تدخلات متدرجة الشدة مع متابعة أثرها، بما يضمن أن تكون الاستجابة التعليمية متناسبة مع طبيعة ومستوى احتياج الطالب.
وأكد أن الانتقال من القياس إلى الممارسة التربوية ليس أمرًا تلقائيًا بمجرد صدور النتائج، وإنما يحتاج إلى استثمار مؤسسي متكامل، بحيث تصبح المحطات التقويمية مصدرًا لتحديد نقاط الضعف ومعالجتها، واكتشاف نقاط القوة وتعزيزها، وتطوير المناهج.
وأكد أن توظيف المحطات بهذه الصورة يجعلها أداة فاعلة لتحسين العملية التعليمية ككل، ويحول التقويم من مجرد عملية لقياس مستوى الطلبة إلى جزء من منظومة مستمرة لتطوير تعلمهم وأدائهم.















