صدى الشعب-أسيل جمال الطراونة
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة الطلبة اليومية، بعدما تحولت الهواتف الذكية إلى مصدر رئيسي للمعلومات والترفيه والتواصل. وبينما أتاحت هذه المنصات طرقًا جديدة وسريعة للتعلم والتعبير، أثارت في المقابل مخاوف بشأن تأثيرها في مستوى الطلبة باللغة العربية، ولا سيما في القراءة والكتابة وسلامة التعبير.
وترى الشاعرة والروائية حنين نصار، من خلال تجربتها في التعليم، أن الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي ترك أثرًا واضحًا في مستوى الطلبة في اللغة العربية، مشيرة إلى أن تراجع القراءة والاحتكاك بالنصوص العربية السليمة انعكس على قدرتهم على التعبير والكتابة الصحيحة.
الشاشة تتقدم والكتاب يتراجع
توضح نصار أن كثيرًا من الطلبة أصبحوا يميلون إلى تلقي المعلومات من خلال الصوت والصورة والفيديو، في وقت أصبح فيه الكتاب أقل حضورًا لدى بعضهم مقارنة بشاشة الهاتف.
وتقول إن المشكلة لا تكمن في وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، وإنما في طريقة استخدامها، موضحة أن اعتياد الطالب على الكتابة السريعة والمختصرة في مواقع التواصل قد ينقل هذه العادة إلى كتاباته المدرسية والأكاديمية، فتظهر الأخطاء الإملائية والنحوية ويضعف الأسلوب والتعبير.
وترى أن تراجع القراءة يعني تراجع الاحتكاك باللغة العربية السليمة وموروثها اللغوي، الأمر الذي يحد من قدرة الطالب على امتلاك مفردات وتراكيب تساعده على التعبير بصورة أفضل.
أخطاء إملائية تتكرر في كتابات الطلبة
وتشير نصار إلى عدد من الأخطاء اللغوية والإملائية التي تلاحظ انتشارها بين الطلبة، من أبرزها الخلط بين همزة الوصل وهمزة القطع، إلى جانب الأخطاء المتعلقة بالهمزة المتوسطة والمتطرفة.
كما تلفت إلى أخطاء أخرى، مثل إلحاق تاء المخاطبة بالياء، ككتابة "كتبتي"بدلًا من الصيغة الصحيحة في بعض السياقات، فضلًا عن اختصار بعض العبارات أو كتابتها بصورة متصلة.
ومن الأمثلة الشائعة، بحسب نصار، كتابة "إن شاء الله"بصورة "إنشالله" إضافة إلى استخدام بعض أدوات الربط في غير مواضعها، مثل كلمة «أيضًا»، التي قد يستخدمها بعض الطلبة في بداية الجملة بطريقة غير سليمة، متأثرين بالصياغات السريعة المنتشرة في منشورات التواصل الاجتماعي.
العامية والاختصارات.. تحدٍ للفصحى
وترى نصار أن الاعتماد المفرط على اللهجة العامية والاختصارات والكتابة بالحروف والأرقام يمكن أن يشكل تحديًا حقيقيًا أمام حضور اللغة العربية الفصحى، خصوصًا عندما يصبح هذا الأسلوب هو النمط الوحيد الذي يمارسه الطالب يوميًا.
وتوضح أن اللغة التي يستخدمها الإنسان باستمرار تترك أثرًا في طريقة تفكيره وتعبيره، لكنها في الوقت ذاته لا ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي قادرة وحدها على القضاء على اللغة العربية الفصحى، مؤكدة أن العربية أعمق وأرسخ من أن تهددها وسيلة تواصل
وبحسب نصار، يبدأ الخطر الحقيقي عندما يضعف حضور الفصحى في حياة الطالب، فلا يقرأ بها ولا يكتب بها إلا في حدود الواجب المدرسي، داعية إلى تحقيق التوازن بين لغة التواصل اليومية واللغة العربية الفصحى.
المحتوى السريع يضيّق مساحة التعبير
وتؤكد نصار أن تأثير الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي في القراءة والتعبير والكتابة قد يكون كبيرًا، خاصة عندما يتحول الهاتف إلى المصدر الأساسي للمعرفة والترفيه والتواصل.
فالقراءة، بحسب رأيها، تحتاج إلى الصبر والتركيز، بينما اعتاد كثير من الطلبة على المحتوى السريع الذي ينتقل خلال ثوانٍ من صورة إلى مقطع فيديو ثم إلى منشور آخر.
ومع مرور الوقت، قد يجد الطالب صعوبة في قراءة نص طويل أو متابعة فكرة متكاملة، كما قد تتراجع قدرته على التعبير بسبب ضعف مخزونه من المفردات والتراكيب.
وتختصر نصار العلاقة بين القراءة والكتابة بالقول إن «الكاتب الجيد يبدأ قارئًا جيدًا»، مؤكدة أن ابتعاد الطالب عن الكتاب والقراءة يضيّق أمامه مساحات التعبير والكتابة.
من تهديد إلى فرصة لخدمة العربية
ورغم التحديات، لا ترى نصار أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل خطرًا بالضرورة، بل يمكن تحويلها إلى فرصة حقيقية لدعم اللغة العربية وتعزيز استخدامها بين الطلبة.
وتقترح توظيف هذه المنصات في نشر محتوى عربي جذاب، مثل الكلمات العربية الجميلة ومعانيها، وتصحيح الأخطاء اللغوية الشائعة، وتقديم مقاطع قصيرة في النحو والإملاء، إلى جانب نشر الاقتباسات الأدبية والقصص ومراجعات الكتب.
كما يمكن الاستفادة من الفيديو والصوت والصورة لجذب الطلبة إلى اللغة العربية بدل مطالبتهم بالابتعاد عن التكنولوجيا بشكل كامل.
وتؤكد نصار أن اللغة العربية قادرة على إيجاد حضور قوي في العالم الرقمي، إذا قُدمت للجيل الجديد بطريقة قريبة من اهتماماته، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جمالها وسلامتها.
مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة
وترى نصار أن الحفاظ على سلامة اللغة العربية مسؤولية مشتركة بين المدرسة والمعلم والأسرة، ولا يمكن تحميل طرف واحد هذه المهمة.
وتستطيع المدرسة، بحسب رأيها، تعزيز حضور اللغة العربية من خلال الأنشطة والمسابقات والإذاعة المدرسية، وتشجيع القراءة والكتابة الإبداعية، وتقديم اللغة للطلبة بطريقة محببة بعيدًا عن الاقتصار على القواعد الجافة.
أما المعلم، فعليه أن يكون قدوة لغوية أمام طلبته، وأن يصحح الأخطاء بطريقة تربوية تشجع الطالب على التعلم بدل أن تجعله يخشى الوقوع في الخطأ. كما يمكن للمعلم توظيف وسائل التواصل الاجتماعي نفسها في تعليم اللغة، ليشعر الطالب بأن الفصحى قادرة على مواكبة العصر.
ولا يقل دور الأسرة أهمية، من خلال تشجيع الأبناء على القراءة والحوار معهم، والعمل على تقليل الاعتماد على الهاتف بوصفه وسيلة الترفيه الوحيدة.
العربية قادرة على مواكبة العصر
وبينما فرضت وسائل التواصل الاجتماعي أنماطًا جديدة من الكتابة والتواصل، يبدو التحدي الحقيقي في كيفية التعامل معها، لا في وجودها بحد ذاته. فالاستخدام المفرط للعامية والاختصارات والمحتوى السريع قد يؤثر في علاقة الطلبة باللغة، لكن توظيف التكنولوجيا بصورة واعية يمكن أن يحولها إلى أداة لنشر العربية وتعزيز حضورها.
وتبقى مسؤولية المدرسة والمعلم والأسرة في إيجاد توازن بين متطلبات العصر والحفاظ على القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى، بما يضمن بقاء اللغة حاضرة في حياة الجيل الجديد، سواء على صفحات الكتب أو شاشات الهواتف












