في الأردن، لم يعد السؤال الحقيقي: كم جامعة لدينا؟ وكم شهادة نمنح كل عام؟ السؤال الذي يجب أن يواجهه التعليم بصدق هو: ماذا يستطيع الشباب الأردني أن يفعلوا بعد التخرج؟
من هنا تأتي أهمية تخريج الفوج السادس من جامعة الحسين التقنية، برعاية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد. فـ450 شاباً وشابة لا يخرجون من بوابة الجامعة إلى فراغ؛ إنهم يدخلون امتحاناً أكبر: هل يستطيع الاقتصاد الأردني أن يستثمر فيهم كما استثمروا هم في أنفسهم؟
خلال عشرة أعوام، بنت جامعة الحسين التقنية نموذجاً مختلفاً في التعليم؛ نموذجاً يقول إن المعرفة لا ينبغي أن تبقى في الكتب والقاعات، بل يجب أن تتحول إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرصة.
وهنا تحديداً تبرز رؤية سمو ولي العهد تجاه الشباب. فالمسألة ليست رعاية احتفالات أو إطلاق مبادرات فحسب، بل بناء قناعة بأن الشباب الأردني ليس عبئاً على الدولة، ولا فئة تنتظر من يدير مستقبلها؛ بل هو رأسمال الأردن الحقيقي، وقوته التي يمكن أن يصنع بها مكانه في عالم شديد المنافسة.
والتمكين الحقيقي لا يكون بأن نقول للشاب: نحن نؤمن بك. التمكين أن نعطيه ما يحتاجه ليبرهن على قدرته: تعليماً نوعياً، تدريباً عملياً، مختبراً، منحةً، فرصةً، وشريكاً من سوق العمل.
هذه هي قيمة التعليم الذي تحاول الجامعة ترسيخه.
ففي اقتصاد يتغير كل يوم، لم تعد تخصصات الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والأمن السيبراني، والطاقة، والهندسة وعلوم الحاسوب ترفاً أكاديمياً. إنها أدوات القوة الاقتصادية الجديدة. والدول التي تمتلك الإنسان القادر على استخدامها ستكون أكثر قدرة على المنافسة، مهما كانت مواردها محدودة.
والأردن يعرف هذه المعادلة جيداً.
نحن نملك شباباً يمكن أن يكونوا أكبر ثرواتنا إذا أحسنا تعليمهم وتمكينهم وربطهم بالاقتصاد.
ولهذا فإن جامعة الحسين التقنية ليست مجرد جامعة. إنها اختبار لفكرة أكبر: هل نستطيع أن نعيد بناء العلاقة بين التعليم والعمل؟
فالجامعة التي تخرج طالباً بلا مهارة عملية لا تكفي. والشركة التي تشتكي من نقص الكفاءات بينما لا تشارك في تدريب الطلبة لا تكفي. والدولة التي تتحدث عن تمكين الشباب دون أن تفتح أمامهم مسارات حقيقية لا تكفي.
المطلوب أن تلتقي هذه الأطراف.
والأهم أن تكون الفرص عادلة.
وجود نحو 3000 طالب وطالبة من مختلف محافظات المملكة، واستفادة أكثر من ألف طالب وطالبة من برامج المنح، يؤكد أن الاستثمار في الإنسان يجب ألا يتوقف عند حدود العاصمة أو قدرة الأسرة المالية.
الموهبة لا تسأل من أين جئت. والطموح لا يحتاج إلى عنوان محدد. وربما يكون صاحب الفكرة التي تغير اقتصاداً كاملاً شاباً أو شابةً من قرية أو محافظة بعيدة.
من هنا تأتي أهمية إطلاق وقفية جامعة الحسين التقنية. فالوقف التعليمي ليس مجرد تمويل؛ إنه إيمان بأن بناء الإنسان مسؤولية مستدامة، وأن طالباً موهوباً يجب ألا يخسر مستقبله لأن أسرته غير قادرة على تحمل كلفة التعليم.
لكن علينا أن نذهب أبعد.
نحتاج إلى ثقافة وطنية تضع التعليم التقني في مكانته الحقيقية، لا باعتباره خياراً ثانوياً، بل طريقاً إلى المعرفة والإنتاج والكرامة والاستقلال الاقتصادي. ونحتاج إلى قطاع خاص لا ينتظر الخريج عند الباب ليسأله عن الخبرة، بل يشارك في صناعة تلك الخبرة منذ مقاعد الجامعة.
والأهم أننا بحاجة إلى تغيير السؤال الذي نوجهه إلى شبابنا.
بدلاً من أن نقول لهم: كيف ستجدون وظائف؟
يجب أن نسألهم: ما الذي تستطيعون أن تبنوه؟ ما المشكلة التي تستطيعون حلها؟ وما الفرصة التي تستطيعون خلقها؟
هذه هي النقلة التي يحتاجها الأردن.
فالهدف ليس أن نخرج آلاف الشباب إلى سوق عمل محدود، ثم نشعر بالقلق عندما لا يجدون مكاناً. الهدف أن نبني جيلاً يمتلك المهارة والثقة والقدرة على تأسيس مشروع، وتطوير تقنية، وابتكار خدمة، وخلق وظيفة له ولغيره.
وهنا ندرك أن دور سمو ولي العهد هنا أكبر بكثير من دعم مبادرة تعليمية؛ بل رؤية أوسع ترى في الشباب مشروعاً وطنياً طويل الأمد.
الأردن الذي لا يقول لشبابه: انتظروا فرصكم، بل يمنحهم الأدوات لصناعة الفرص.
فحين نستثمر في الإنسان، لا نخرّج طالباً فقط؛ نحن نبني اقتصاداً، ونصنع أملاً، ونمنح الوطن مستقبلاً.
وهنا يصبح الشباب مشروع وطن.









