في الجامعة الأردنية، لم يكن اللقاء الذي جمع نساءً قياديات من الأردن والمكسيك مجرد حوار عابر حول مشاركة المرأة في السياسة، بل كان مساحة للتأمل في سؤال أكثر عمقًا: ماذا يعني أن تقود النساء التغيير السياسي؟
تحت عنوان “نساء يقُدن التغيير السياسي: حوار الجنوب-الجنوب بين الأردن والمكسيك”، اجتمعت تجارب نسائية تنتمي إلى سياقات جغرافية وثقافية مختلفة، لكنها تشترك في الكثير من الأسئلة والتحديات. نقابيات، ناشطات في المجتمع المدني، قياديات، حزبيات، ونائبات، جمعتهن مسارات مختلفة نحو المجال العام، لكنهن التقين عند نقطة واحدة: الإيمان بأن وجود النساء في المجال السياسي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التمثيل، وإنما يجب أن يتحول إلى تأثير حقيقي في صناعة القرار.
كان لافتًا أن يبدأ الحوار من فكرة تبدو بسيطة، لكنها شديدة الأهمية: الحصص الانتخابية ليست النهاية، بل نقطة البداية.
فوجود النساء في البرلمانات والمؤسسات السياسية مهم، لكنه لا يكفي وحده. السؤال الحقيقي يبدأ بعد الوصول: هل تمتلك النساء المساحة والأدوات والموارد والقدرة على التأثير؟ وهل تستطيع المرأة أن تنتقل من كونها جزءًا من المشهد السياسي إلى أن تصبح شريكة فعلية في تشكيله؟
التجربة المكسيكية التي عُرضت خلال اللقاء قدمت عددًا من الدروس المهمة في هذا السياق. من بينها أن حماية الحقوق يجب أن تكون مرتبطة بالدستور والقانون، وأن العقوبات الفعالة ضرورية عندما تُنتهك حقوق النساء أو تُعرقل مشاركتهن السياسية. كما طُرحت مسؤولية الأحزاب السياسية باعتبارها شريكًا أساسيًا في التغيير، لا مجرد جهة تستجيب له.
وهنا تحديدًا بدا لي أن القضية أكبر من النساء أنفسهن.
فإذا أردنا مشاركة سياسية نسائية حقيقية، فلا يمكن أن نحمّل النساء وحدهن مسؤولية الوصول والنجاح. الأحزاب، والمؤسسات، والتشريعات، والمجتمع، والدولة، جميعها تتحمل مسؤولية خلق بيئة سياسية أكثر عدالة.
ومن أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضًا مسألة العنف السياسي ضد النساء. فإقصاء المرأة من المجال العام لا يحدث دائمًا عبر قوانين تمنعها من المشاركة؛ أحيانًا يحدث من خلال التهديد، والتشهير، والتنمر، والضغط، ومحاولات إسكات الصوت النسائي أو معاقبته عندما يصبح مؤثرًا.
ولهذا فإن مواجهة العنف السياسي ضد النساء ليست قضية نسوية هامشية، بل قضية تتعلق بجودة الحياة السياسية نفسها وبقدرة الديمقراطية على أن تكون مساحة آمنة ومتاحة للجميع.
أما الدرس الآخر الذي حملته التجربة المكسيكية فكان متعلقًا بالقيادة نفسها: القيادات النسائية لا تُبنى بالصدفة.
هناك حاجة إلى استثمار استراتيجي في تطوير القيادات، وبناء المهارات، وإعداد النساء للمشاركة السياسية، ومنحهن الفرص التي تسمح لهن بتحويل الكفاءة والطموح إلى تأثير.
والأرقام التي عُرضت خلال اللقاء تذكّرنا بحجم الفجوة التي ما زالت قائمة. فقد أظهرت المقارنة المعروضة تفاوتًا واضحًا في نسبة تمثيل النساء سياسيًا بين المناطق، مع وصول النسبة في الأردن إلى نحو 20%، مقارنة بـ16.2% في الشرق الأوسط، و35.6% في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، ونحو 33% في أوروبا.
لكن الأرقام، على أهميتها، لا تحكي القصة كاملة.
فقد تكون لدينا نساء أكثر داخل المؤسسات، دون أن يكون لهن بالضرورة نفوذ أكبر. وقد نحقق تمثيلًا عدديًا، بينما تبقى مراكز صناعة القرار بعيدة عن النساء.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من مفهوم التمثيل إلى مفهوم التأثير.
ما أثار اهتمامي في هذا اللقاء هو أن المسافة بين الأردن والمكسيك بدت، في لحظات كثيرة، أقصر مما توحي به الخريطة.
فالتجارب السياسية قد تختلف، والسياقات الاجتماعية والثقافية قد تتباين، لكن قصص النساء تتقاطع في أماكن كثيرة: في مقاومة الصور النمطية، وفي كسر الحواجز، وفي الحاجة إلى إثبات الكفاءة مرات أكثر من الآخرين، وفي الصبر الطويل، وفي القدرة على الاستمرار رغم العوائق.
الصمود هنا ليس مجرد قدرة على التحمل؛ إنه قدرة على الاستمرار في الفعل والتأثير رغم المقاومة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من حوار كهذا هو أن التغيير السياسي لا تصنعه امرأة واحدة، ولا حزب واحد، ولا مؤسسة واحدة. التغيير يحدث عندما تتحول التجارب الفردية إلى معرفة مشتركة، وعندما تتقاطع النساء عبر الحدود لتبادل الخبرات، وعندما تتحول قصص النجاح والتحديات إلى دروس يمكن البناء عليها.
إن الحوارات هذه تكتسب أهمية خاصة لأنها لا تنطلق بالضرورة من نموذج واحد يُقدَّم للآخرين بوصفه النموذج المثالي، بل تتيح للنساء أن يتبادلن الخبرات من مواقع أكثر تشابهًا، وأن يسألن بعضهن بعضًا: ماذا نجح؟ ماذا لم ينجح؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من بعضنا؟
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم عدد النساء الموجودات في السياسة؟
بل:
كم عدد النساء القادرات على التأثير في السياسة؟
وكم من مساحة تُفتح أمامهن ليكنّ صانعات للقرار لا مجرد جزء من صورته؟
من الأردن إلى المكسيك، بدا واضحًا أن الطريق ما زال طويلًا. لكنه أيضًا طريق تصنعه نساء يعرفن جيدًا أن التغيير يحتاج إلى رؤية، وصبر، وطموح، وصمود… والأهم، إلى نساء لا يكتفين بالدخول إلى المساحة، بل يعملن على إعادة تشكيله.
و هنا تستوقفني جملة قالتها نقيبة أطباء الأسنان الدكتورة الدكتورة اية الأسمر : "عندما أصبحت اول نقيبة لأطباء الأسنان، تبادر الي سؤال مهم، كيف لا أكون الأخيرة."
لأنها، بالنسبة لي، تختصر معنى القيادة النسائية بأكمله. فأن تكوني الأولى قد يكون إنجازًا شخصيًا استثنائيًا، لكن أن تسألي فورًا كيف تضمنين ألا تكوني الأخيرة، فهذا يعني أن نجاحك لم يعد ملكًا لك وحدك. يتحول الإنجاز الفردي إلى مسؤولية جماعية، ويتحول الوصول إلى فتح الطريق أمام أخريات.
ربما هنا تحديدًا يبدأ التغيير الحقيقي: عندما لا يكون طموح المرأة أن تصل وحدها، بل أن تجعل الطريق بعدها أكثر اتساعًا وأقل وعورة لمن سيأتين من بعدها








