صدى الشعب - أكدت جلسة حوارية عقدها الحزب المدني الديمقراطي حول تعديلات قانون الملكية العقارية ضرورة إعادة النظر في النصوص موضع الاعتراض، وبوجه خاص من خلال فصل السكك الحديدية عن تعريف الطريق، وضمان التعويض الكامل والعادل عن الأراضي المستملكة وفق قيمتها الحقيقية، ومنع تضارب المصالح في تقدير التعويض، وتعزيز دور القضاء والخبرة المستقلة، وحصر مفهوم المرافق العامة بصورة دقيقة تمنع التوسع في الاقتطاع على حساب الملكية الخاصة.
كما أكدت الجلسة أن الحاجة الوطنية إلى تطوير شبكة السكك الحديدية والبنية التحتية لا تتعارض مع حماية حقوق المواطنين، وأن المشروع الناجح هو الذي يقوم على العدالة والشفافية والشراكة، ويوزع أعباء التنمية ومكاسبها بصورة منصفة، بما يحفظ ثقة المواطن بالدولة ويحول مشروعات النقل الكبرى إلى فرصة للتنمية لا إلى سبب للنزاع.
وكان الحزب قد عقد مساء الأحد 9 آب 2026 في مقره جلسة حوارية بعنوان "قانون الملكية العقارية: لماذا لسنا مع التعديلات؟"، تحدث فيها كل من الأمين العام للحزب المحامي حماده أبو نجمة، والنائب جمال قموه، والنائب آية الله الفريحات، والدكتورة لينا شبيب وزيرة النقل الأسبق، بحضور عدد من قيادات الحزب وأعضائه والمهتمين والمختصين.
وفي بيان موقفه الشامل من مشروع القانون المعدل أكد الحزب رفضه إضافة "سكك الحديد" إلى تعريف "الطريق العام" لما يترتب على ذلك من إخضاع الأراضي المستملكة لهذه الغاية لأحكام اقتطاع الربع دون تعويض موضحاً أن السكة الحديدية بخلاف الطريق العام لا تحقق بالضرورة منفعة مباشرة للعقار الذي تمر فيه بل قد تؤدي إلى تجزئته وخفض قيمته وفرض حرم وقيود مشددة على الانتفاع به.
وانتقد الحزب استثناء مشروعات سكك حديدية قائمة ومحددة من الاقتطاع المجاني مع إبقاء هذا الاقتطاع على المشروعات المستقبلية معتبراً أن هذا التمييز يثير إشكالية تتصل بمبدأ المساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص في تحمل أعباء مشروعات المنفعة العامة، وطالب بإخراج السكك الحديدية بصورة كاملة من أحكام الاقتطاع المجاني وأن يكون استملاك الأراضي اللازمة لها مقابل تعويض نقدي عادل وكامل تتحمله الجهة المستملكة.
كما حذر الحزب من أن معايير وآليات التعويض الواردة في التعديلات قد تؤدي إلى تقدير التعويض بأقل من القيمة الحقيقية للعقار في السوق بما يلحق غبناً وضرراً اقتصادياً بالمالكين ويمس جوهر مبدأ التعويض العادل الذي كفله الدستور، وشدد على ضرورة أن يستند تقدير التعويض إلى القيمة السوقية الفعلية للعقار وإلى خبرة فنية مستقلة تخضع لرقابة القضاء وألا يكون للجهة المستملكة تأثير مباشر أو غير مباشر في تحديد قيمة العقار الذي تستملكه.
وفيما يتعلق بضمانات التقاضي جدد الحزب اعتراضه على إسناد الفصل في منازعات حساسة تمس الملكية وفي مقدمتها دعاوى إزالة الشيوع إلى لجان إدارية تابعة لدائرة الأراضي والمساحة مطالباً بإعادة هذه الاختصاصات إلى القضاء النظامي باعتباره صاحب الولاية العامة والضامن لاستقلال الفصل في المنازعات وحقوق المتخاصمين.
ورأى الحزب أن إسناد هذه المنازعات إلى لجان إدارية وما يرتبط بذلك من إجراءات وطرق للاعتراض على قراراتها ينتقص من الضمانات القضائية المتاحة للمتخاصمين ولا يوفر لهم الحماية ذاتها التي يكفلها نظر الدعوى ابتداءً أمام القضاء النظامي وعلى درجتين.
وحذر الحزب من أن النصوص المتعلقة بالاقتطاع المجاني ومعايير التعويض وإسناد المنازعات إلى جهات إدارية تثير شبهات جدية بعدم الدستورية، بالنظر إلى ما قرره الدستور من حماية الملكية الخاصة وعدم نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل فضلاً عن ضمان حق التقاضي واستقلال السلطة القضائية، وأكد أن هذه النصوص إذا أقرت بصيغتها الحالية ودخلت حيز التنفيذ قد تكون محلاً للدفع بعدم دستوريتها وفق الإجراءات الدستورية والقانونية المقررة.
وفي افتتاح الجلسة أكد أبو نجمة أن مناقشة التعديلات تنطلق من أهمية حق الملكية باعتباره حقاً دستورياً يتصل بأمن المواطن واستقراره وثقته بالدولة والقانون وأن أي تنظيم لهذا الحق أو تقييد له يجب أن يستند إلى منفعة عامة محددة ويحقق توازناً عادلاً بين متطلبات التنمية وحقوق الأفراد ويقترن بتعويض عادل وإجراءات شفافة وضمانات قضائية كاملة.
وأوضح أن موقف الحزب يستند إلى مبادئه القائمة على سيادة القانون وجعل الإنسان محوراً للسياسات والتشريعات والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وصون الحقوق والحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل لأعباء التنمية ومكتسباتها، وشدد على أن الحزب لا يعارض تحديث التشريعات العقارية أو رقمنة الإجراءات أو تطوير مشروعات البنية التحتية وإنما يعترض على أن يجري ذلك على حساب حقوق المواطنين أو الرقابة القضائية.
وتناول النائب جمال قموه ما يترتب على إضافة السكك الحديدية إلى تعريف الطريق العام من إخضاع الأراضي المستملكة لهذه الغاية لأحكام اقتطاع الربع دون تعويض، كما حذر من منح اللجان الإدارية التابعة لدائرة الأراضي والمساحة صلاحيات واسعة في قضايا تمس حقوق الملكية، مؤكداً ضرورة بقاء الاختصاص الأصيل للمحاكم النظامية وضمان حق المواطنين في التقاضي أمام قضاء مستقل واعتماد القيمة الحقيقية للعقار وفق أسعار السوق.
من جهته أكد النائب آية الله الفريحات أن اقتطاع جزء من أراضي المواطنين لغايات السكك الحديدية دون تعويض يتعارض مع المادة 11 من الدستور التي تشترط أن يكون الاستملاك للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، مشيراً إلى أنه تقدم خلال مناقشة المشروع بمقترح لاستثناء السكك الحديدية بصورة كاملة من أحكام الاقتطاع المجاني.
وانتقد الفريحات اعتماد ما يعرف بالسعر الإداري في تقدير التعويض معتبراً أنه لا يعكس بالضرورة القيمة الحقيقية للعقار وأن تقييد الخبرة القضائية ببيوعات مسجلة أو قيم إدارية قد يؤدي إلى تعويض يقل عن سعر السوق، وأكد أن تقدير التعويض ينبغي أن يستند إلى خبرة مستقلة تخضع لرقابة القضاء وفق قاعدة قانونية تمنع أن تكون الجهة المستملكة للعقار هي ذاتها صاحبة التأثير في تحديد قيمته.
بدورها أكدت الدكتورة لينا شبيب أهمية تطوير شبكة سكك حديدية وطنية حديثة لما تمثله من فرصة استراتيجية لخفض كلفة النقل وتعزيز الربط الإقليمي ودعم الصادرات وتوفير فرص العمل، مشددة على أن الاعتراض لا يستهدف مشروع السكة الوطنية وإنما الطريقة التي يجري بها توزيع أعبائه وحماية حقوق أصحاب الأراضي الواقعة ضمن مساره.
وبينت شبيب أن نجاح مشروعات السكك الحديدية والبنية التحتية الكبرى يحتاج إلى ثقة المواطن ووضوح القواعد القانونية، وأن صغار المالكين والمزارعين قد يكونون الأكثر تضرراً من اقتطاع ربع أراضيهم ولا سيما إذا أدى ذلك إلى جعل المساحات المتبقية غير صالحة للبناء أو الاستثمار، كما أشارت إلى أن الأمان القانوني للملكية يمثل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار ولا يتعارض مع تنفيذ المشروعات الوطنية الكبرى.
واستعرضت شبيب عدداً من التجارب الدولية والإقليمية التي تقوم على دفع القيمة السوقية العادلة أو تقديم أرض بديلة أو إشراك المالك في القيمة التي تخلقها مشروعات النقل حول المحطات، ودعت إلى دراسة نماذج التطوير الموجه بالنقل و"اقتناص القيمة"، بحيث تتحول محطات السكك الحديدية إلى مراكز تنموية ترفع قيمة الأراضي المحيطة بها وتسهم في تمويل المشروع من خلال رسوم تحسين شفافة وعادلة بدلاً من اقتطاع الأرض ذاتها دون تعويض.
وشهدت الجلسة نقاشاً حول الأبعاد الدستورية والقانونية والاجتماعية للتعديلات ولا سيما تعريف الطريق والاقتطاع المجاني ومعايير تقدير التعويض واختصاص لجان إزالة الشيوع وضمان التقاضي أمام المحاكم النظامية والتوازن المطلوب بين تمويل مشروعات المنفعة العامة وحماية حقوق الأفراد.










