عقل: هدر 20% إلى 30% من الطاقة يرفع كلفة الاستثمار بالطاقة المتجددة
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل التوسع المتزايد في مشاريع الطاقة المتجددة، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة هذه المشاريع على خفض كلف الطاقة في القطاع الصناعي، إلا أن معالجة مصدر الطاقة لا تعني بالضرورة معالجة كفاءة استخدامها، ما يطرح تساؤلات حول الأولوية بين تقليل الهدر ورفع كفاءة الاستهلاك من جهة، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة من جهة أخرى.
ويبرز تحسين كفاءة الطاقة كخيار يمكن أن يخفض حجم الطلب الفعلي على الطاقة، ويقلل الاستثمارات المطلوبة في مشاريع التوليد من المصادر المتجددة، إلى جانب انعكاساته على تكاليف التشغيل والصيانة والإنتاج، الأمر الذي يفتح نقاشًا حول النهج الأكثر كفاءة للصناعة في التعامل مع ملف الطاقة.
الترشيد والكفاءة والطاقة المتجددة.. فروق عملية
وبهذا الإطار، أكد خبير الطاقة هاشم عقل، ضرورة أن يسبق تحسين كفاءة استهلاك الطاقة التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، بشكل مطلق، خصوصًا في القطاع الصناعي، مشيرًا إلى أن الاستثمار في الطاقة المتجددة قبل رفع الكفاءة يماثل “صب الماء في وعاء مثقوب”.
وقال عقل خلال حديثه لـ"صدى الشعب" إن المصنع إذا كان يهدر ما بين 20 و30 بالمئة من طاقته بسبب معدات قديمة أو تسريبات أو سوء إدارة، فإن بناء محطة طاقة شمسية أو رياح لتلبية الاحتياج الحالي يعني بناء محطة ذات قدرة استيعابية أكبر من الحاجة الفعلية.
وأضاف أن ترشيد وترفيع كفاءة الطاقة يقللان من الحمل الأساسي للمصنع، ما يقلل القدرة المجهزة المطلوب إنتاجها من المصدر المتجدد، وبالتالي يخفض الإنفاق الاستثماري الأولي الموجه لمشاريع الطاقة المتجددة.
وأوضح عقل أن ترشيد استهلاك الطاقة يرتبط بالسلوكيات المباشرة لخفض الاستهلاك، من خلال التخلي عن استخدام بعض المعدات أو تقليل تشغيلها، مثل إطفاء الإنارة أو إيقاف خطوط الإنتاج أثناء الاستراحة.
وبين أن كفاءة الطاقة تعني تقديم الأداء الإنتاجي نفسه أو أداء أعلى باستخدام كمية أقل من الطاقة، من خلال الاعتماد على تكنولوجيا متطورة أو تحسين العمليات، مثل استخدام محركات ذات كفاءة عالية IE3/IE4، أو تركيب مغيرات سرعة VFDs، أو استرداد الحرارة الضائعة.
وأشار إلى أن الطاقة المتجددة تعني استبدال مصدر الطاقة التقليدي، سواء الوقود الأحفوري أو شبكة الكهرباء العامة، بمصدر نظيف ومستدام، مثل الطاقة الشمسية أو الرياح، من دون التدخل المباشر في كمية الطاقة التي يستهلكها الجهاز نفسه.
أربعة تحديات تحد من الاعتماد على الطاقة المتجددة
وفيما يتعلق بعدم كفاية الطاقة المتجددة بمفردها، أشار عقل إلى أربعة عوامل رئيسية، أولها الموثوقية والتذبذب، إذ إن المصادر المتجددة كالشمش والرياح متغيرة وتعتمد على الأحوال الجوية، في حين تحتاج المصانع إلى طاقة مستقرة ومستمرة على مدار الساعة (24/7).
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في القيود المساحية والتنظيمية، إذ لا تملك جميع المصانع المساحات السطحية أو الأراضي المجاورة الكافية لتركيب محطات تفي بجميع أحمالها الحالية ذات الاستهلاك العالي.
أما العامل الثالث، بحسب عقل، فهو التكلفة العالية لحلول التخزين، إذ إن الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة يتطلب أنظمة بطاريات تخزين ضخمة ومكلفة جدًا لتغطية أوقات الذروة أو الفترات الليلية.
وقال عقل إن رفع كفاءة الطاقة يحقق فوائد اقتصادية مباشرة تتجاوز خفض فاتورة الكهرباء، من بينها زيادة العمر الافتراضي للمعدات وخفض تكاليف الصيانة، موضحًا أن تشغيل الآلات بكفاءة واستخدام أجهزة البدء التدريجي ومغيرات السرعة يقللان من الاهتزازات والإجهاد الحراري والميكانيكي، ما يخفض تكاليف الصيانة الدورية والأعطال المفاجئة.
وأضاف أن تحسين جودة المنتجات والعمليات يعد من فوائد رفع الكفاءة، إذ إن ضبط النظم الحرارية والهيدروليكية وضغط الهواء يؤدي إلى تحكم أفضل في خطوط الإنتاج، ما يقلل نسبة المنتجات المعيبة.
وبين أن رفع كفاءة المعدات يتيح للمصنع زيادة خطوط الإنتاج دون الحاجة إلى توسعة الاشتراك الكهربائي أو شراء محولات وقواطع إضافية ذات تكلفة عالية، بما يزيد الطاقة الإنتاجية للأنظمة.
وأشار إلى أن استرداد الحرارة وتوليد الطاقة الثانوية يمثلان مجالًا آخر للوفر، من خلال استغلال الحرارة المفقودة من الغلايات أو العوادم لإعادة تسخين مياه تغذية الملاجل أو التدفئة، ما يقلل استهلاك وقود التدفئة كـ LPG أو السولار/الفيول.
ولفت إلى أن خفض البصمة الكربونية للوحدة المنتجة يعزز الميزة التنافسية والامتثال للمواصفات، ويسهل التصدير إلى أسواق تطبق ضرائب كربونية، مثل آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، ويفتح أفق التمويل الأخضر.
تحسين الكفاءة يخفض حجم وتكلفة مشروع الطاقة المتجددة
وأكد عقل أن تحسين الكفاءة أولًا يؤدي إلى تقليل قدرة وتكلفة مشروع الطاقة المتجددة بشكل مباشر.
وأوضح ذلك بمثال لمصنع يستهلك مليون كيلوواط/ساعة سنويًا، ويحتاج إلى نظام طاقة شمسية بقدرة 600 كيلوواط ذروة، بتكلفة تقديرية تصل إلى 350 ألف دولار.
وبين أنه في مرحلة رفع الكفاءة، ينفذ المصنع إجراءات كفاءة طاقة، مثل كشف تسريبات الهواء وعزل الأنابيب واستبدال المحركات، بتكلفة بسيطة، ما يقلل الاستهلاك بنسبة 20 بالمئة، ليصبح الاستهلاك السنوي 800 ألف كيلوواط/ساعة.
وأضاف أنه بناء على الاستهلاك الجديد، يحتاج المصنع إلى نظام طاقة شمسية بقدرة 480 كيلوواط ذروة فقط.
وأشار إلى أن النتيجة تتمثل في توفير 20 بالمئة من التكلفة الرأسمالية لنظام الطاقة المتجددة، وتقليل المساحة المطلوبة للألواح الشمسية، إضافة إلى تقليل تكاليف التنظيف والصيانة المستقبلية لنظام الطاقة المتجددة نفسه.
وأوضح عقل أن إجراءات كفاءة الطاقة لا تحتاج جميعها إلى استثمارات كبيرة، مبينًا أن عملية التنفيذ تقسم عمليًا إلى ثلاث فئات بناء على حجم الاستثمار.
وأشار ضمن الإجراءات العملية إلى إغلاق تسريبات الهواء المضغوط، وإيقاف تشغيل المعدات والسيور في أوقات الفراغ والوردية الخالية، وضبط معايير الاحتراق في الغلايات والأفران، وتحسين معامل القدرة لتفادي غرامات الشبكة.
وقال عقل إن الوصول إلى أقصى تنافسية وأقل استهلاك للطاقة يتطلب اتباع منهجية متدرجة مكونة من خمس خطوات رئيسية.
وأضاف أنه تتمثل الخطوة الأولى في إجراء تدقيق طاقة تفصيلي، من خلال الاستعانة بمدقق طاقة معتمد لتحليل النمط الاستهلاكي لمختلف الأقسام وتحديد نقاط الهدر عبر قياسات حرارية وكهربائية دقيقة.
وأشار إلى أن الخطوة الثانية فهي جني الثمار القريبة عبر تنفيذ جميع الإجراءات منعدمة ومنخفضة التكلفة فورًا، مثل إصلاح التسريبات وتحسين الممارسات التشغيلية وعزل الأنابيب، والتي تكون فترة استرداد استثمارها أقل من 6 أشهر.
وبين أنه تتمثل الخطوة الثالثة في الاستثمار في رفع كفاءة الأنظمة الرئيسية، من خلال توجيه الوفر المالي المحقق من الخطوة السابقة للاستثمار في تركيب VFD وتحديث المحركات، واسترداد الحرارة الضائعة.
وأشار إلى أن الخطوة الرابعة تتمثل في حساب الحمل الجديد ودمج الطاقة المتجددة وذلك من خلال إعادة قياس الاستهلاك الحقيقي المخفض وتصميم نظام طاقة متجددة يناسب الحمل الجديد بدقة لضمان أعلى عائد على الاستثمار وأقصر فترة استرداد.
ولفت إلى أنه الخطوة الخامسة فتتمثل في مأسسة إدارة الطاقة ، من خلال تطبيق نظام إدارة الطاقة طبقًا للمواصفة القياسية 50001، لضمان استدامة التحسين ومراقبة مؤشرات الأداء الرئيسي للطاقة بشكل مستمر، وعدم العودة إلى أنماط الاستهلاك القديمة.





