المعظم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وقال إن الواقع على الأرض يُعاد تشكيله، في غزة بالتدمير وفي الضفة بالضم الفعلي، ووصف ما يجري في الضفة بأنه تهجير قسري وجريمة حرب. كان خطاباً تحذيرياً يستند إلى موقف أردني معروف، هو أننا نحمي أمننا ومياهنا بأنفسنا. لكن السؤال الذي يشغلني بعد الخطاب أبسط من ذلك: ما الذي يحمي الأردنيين وهم بين يمين إسرائيلي يراهم مخرجاً لأزماته، وإقليم تعبر الصواريخ سماءه، وجبهة داخلية لا تحتمل المزايدة؟ أعرف أن السؤال لا يعجب كثيرين، لكن بلداً قليل الماء كثير الدين لا يملك أن ينتظر نهاية العاصفة ليحصي خسائره، ولا ينبغي أن يترك الجواب لمن لن يدفعوا ثمنه.
عمّان لم تكن بالمطلق شريكة في القرار الذي أشعل المنطقة، ولا يوجد ما يدل على أنها استُشيرت فيه. بعد ذلك التاريخ صار اليمين الإسرائيلي يتحدث عن الضم والتهجير علناً، وارتفع منسوب العنف والاستيطان في الضفة، وعبرت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أجواءنا وكان آخرها هذا الصيف، ووقعت حادثة جسر الملك حسين في أيلول 2024، وتراجعت السياحة والاستثمار وحركة البحر الأحمر. القرار صدر من مكان آخر وكلفته وصلت إلى عمّان. ومن هذه النقطة أقرأ الأزمة كلها: أمن الأردن لا يجوز أن يُرهن بحسابات غيره، ومن لم يُستشر في الحرب فمن حقه أن يحمي نفسه من نتائجها.
التهجير هو ما يقلقني أكثر من أي شيء آخر، ولذلك أكتب عنه بحذر خاص. الملك قال (لا) بوضوح في البيت الأبيض في شباط 2025، ولم يكن ذلك موقفاً عابراً. فالتهجير يختلف عن اللجوء اختلافاً جوهرياً. اللجوء حالة طارئة يقترن بها حق العودة وتنتهي بزوال أسبابها، وقد عرف الأردن موجاته وتحمّل أعباءها. أما التهجير فيعيد رسم الخريطة السكانية بصورة دائمة، فتُفرَّغ الأرض من أهلها ويُحسم بالأمر الواقع ما عجزت السياسة عن حسمه، وتُدفن معها القضية الفلسطينية. وهو يمس عندنا التوازن الديمغرافي الدقيق الذي قام عليه الاستقرار الداخلي منذ عقود، ويضع هوية الدولة وعقدها الاجتماعي أمام امتحان لا تحتمله، ويحيي فكرة الوطن البديل التي لم تغب عن أدبيات اليمين الإسرائيلي. في هذا الملف يتفق الموقف القومي مع المصلحة الوطنية اتفاقاً كاملاً، ولا مجال فيه للمساومة.
أما المعاهدة فقصتها أعقد من ثنائية التطبيع والقطيعة. سحب الأردن سفيره من تل أبيب في تشرين الثاني 2023 وجمّد مشروع (الماء مقابل الطاقة) حين صارت كلفته السياسية أكبر من عائده، وكان قراره في محله. ومع ذلك ما زالت وادي عربة تنظم الحدود والمياه والترتيبات الأمنية، وما زالت ورقة في يد عمّان تستعملها بحساب. ومن يطالب بتمزيقها أسأله أولاً كيف سنحمي حدودنا الطويلة بإمكاناتنا المحدودة، ومن أين ستأتي الكهرباء والغاز القادم من حقل ليفياثان بحسب التقارير يغطي أكثر من نصف احتياجاتنا. لقد رأينا هذا العام ما يعنيه انقطاع الإمدادات حين اندلعت الحرب مع إيران، وعبرناه ببدائل أغلى كلفة. إعادة ضبط العلاقة قرار حكيم، أما الهدم فمغامرة لن يدفع ثمنها غير الدولة.
ومن يرى ما احتمله أهل غزة من جوع وركام وفقد لا يملك إلا أن يقف احتراماً لثباتهم. فإذا كانت الغلبة أن يبقى الإنسان متمسكاً بأرضه وسط الخراب، فقد نالوها بأغلى الأثمان، ومن يرى في الفداء ظفراً فذلك إيمانه ولا يجادله فيه أحد. أما إذا حسبنا بما تحقق على طاولة السياسة، فلا أجد في الحصيلة ما يُعدّ. ولعل السابع من أكتوبر أكبر من أن تحويه معادلة الربح والخسارة، وأرفع من أن يُسخَّر لحسابات لا صلة لها بوجع أصحابها. غير أن صندوق أيلول 2024 التقط لحظة بلغت فيها الأزمة ذروتها والدم على الشاشات، ولا يصح عدّه صورة دائمة. وأياً كان رأي الناس في السابع من أكتوبر نفسه، فما أحذّر منه هو أن يتحول وجعهم إلى رصيد تنظيمي، وأن يأتي من يرى في المأساة فرصة ليجدد التعبئة ذاتها. المصلحة الأردنية كما أفهمها لا تقتضي إسكات التعاطف، لكنها تقتضي ألا يُستثمر في غير موضعه.
وفي الداخل خلّف هذا الصراع واقعاً ينبغي أن ننظر إليه بعينين مفتوحتين. فالإسلام السياسي عندنا لم يكتشف فلسطين مع غزة، إذ جعل منها منذ عقود مدخله الأوسع إلى الشارع وأقصر طرقه إلى الشرعية. لكن هذه الحرب أعطته ما لم يتوفر له من قبل: قضية دامية بلا نهاية قريبة، وجمهوراً يغلي بالغضب والعجز، وسؤالاً جاهزاً يُلحق بكل نقاش عن الاقتصاد أو الحريات أو السياسة الخارجية، هو: ماذا فعلتم لغزة؟ وفي هذا المناخ جرت انتخابات أيلول 2024، فنال حزب جبهة العمل الإسلامي، الذي صار اسمه حزب الأمة، واحداً وثلاثين مقعداً من ثمانية وثلاثين ومئة وأصبح أكبر كتلة في مجلس النواب. وحين أقرأ النتيجة بهدوء أرى قضية تحولت إلى رأس مال تنظيمي، فالقاعدة تتسع والشباب يُستقطبون والفروع تمتد إلى المحافظات والأحياء، والحشد يُختبر باستمرار والجمهور يُهيَّأ للاستحقاقات المقبلة. وهذا حكمي على المنطق التنظيمي لا على النوايا، فالتنظيم الذي يكبر على جرح مفتوح يصعب عليه أن يتمنى إغلاقه. والدفاع الجاد عن غزة لا يحتاج إلى صندوق اقتراع ولا إلى مأساة طويلة ليبقى الخطاب مجدياً.
وقد استوقفتني هذه الأيام طريقة إحياء الذكرى عند بعض الأحزاب المرخصة: ندوات ومهرجانات تأخذ عناوينها من مفردات العملية نفسها وتخاطب جمهورها بلغة الحشد. هذا تجديد سنوي لعقد التعبئة مع القاعدة، يحتاج كل عام إلى مناسبة أكبر وصورة أقوى. والأخطر أن يظهر الأقصى والقدس كأنهما شأن حزبي، فيدخل الحزب في منافسة رمزية مع الدولة على أثمن ما تملكه عمّان من رصيد معنوي. واليمين الإسرائيلي الذي يتربص بنا لا يحتاج أكثر من هذه المشاهد ليرسم صورة بلد هش ويمنح شعار (الأردن هو الحل) ما ينقصه، ومن يقدم له هذه الذريعة، بنية حسنة أو سيئة، يخدمه ويضر وطنه.
والمطلوب في رأيي حزم لا حظر جديد. فقد حظرت الدولة في نيسان 2025 جماعة الإخوان المسلمين واعتبرتها جمعية غير مشروعة بعد كشف خلية اتُّهمت بتصنيع صواريخ ومسيّرات، وكان حكم محكمة التمييز عام 2020 قد قضى بحل الجماعة القديمة. وأبقت في المقابل على الوضع القانوني للحزب، الذي غيّر اسمه في نيسان 2026 امتثالاً لقانون الأحزاب لسنة 2022 الذي يمنع الأسماء ذات الدلالة الدينية. كانت تلك حكمة مشروطة، لأن الترخيص عقد أول بنوده أن يكون الحزب أردنياً في حساباته قبل أن يكون أممياً في شعاراته، وأن يثبت بسلوكه لا ببياناته استقلاله عن أي تنظيم محظور وأي أجندة خارجية. وفعالية على أرض أردنية بعنوان اختارته حركة مسلحة لعملية لم يُعرف أنها استشارت فيها أحداً لا تنسجم مع هذا العقد. وعلى الدولة أن تطبق القانون على الجميع بمعيار واحد وأن تواجه أي تجاوز بما يقتضيه دون تردد أو مجاملة.
وفي الخارج لا يملك الأردن ترف الاستقطاب. شراكته مع واشنطن، التي تؤطرها مذكرة تفاهم حتى 2029 بمساعدات سنوية قدرها 1.45 مليار دولار، وعلاقاته الاقتصادية مع الخليج، وموقعه في الإطار العربي، هي مصادر قوته، والتفريط بها مقابل شعارات لا تؤمّن خبزاً ولا تحمي حدوداً ليس سياسة. لكنها شراكة بين طرفين وليست علاقة تابع بمتبوع، وقد قال الملك في نيويورك بصراحة الحليف إن الحكومة الإسرائيلية تتجاهل اتفاق وقف إطلاق النار وتواصل هجماتها وترفض الانسحاب وتحصر الفلسطينيين في ثلث القطاع. هذا كلام شريك يسمّي التقصير باسمه. أما واجبنا تجاه غزة فقد أديناه منذ الأيام الأولى، بإنزالات جوية وقوافل عبر الهيئة الخيرية الهاشمية ومستشفيات ميدانية ودبلوماسية لم تهدأ، ومن يزاود على الدولة في حرصها على غزة بعد أن حملت هذا العبء ودفعت لأجله من أمنها واقتصادها فإنما يقفز فوق الوقائع. وفي اليوم التالي لا يطلب الأردن إلا ما تقتضيه مصلحته الوجودية: دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، تنهي مشروع الوطن البديل وتُسقط الحجة الإسرائيلية في تصدير الأزمات إلى شرق النهر. ومن يرفض حل الدولتين بالفعل وإن قبله بالقول فهو يرفض مصلحة الأردن، أياً كانت الراية التي يحملها.
ولهذا تتحرك الدبلوماسية الأردنية بهدوء شرقاً وغرباً، فكانت زيارة الملك إلى الصين في آب، ثم جولة أوروبية كانت باريس آخر محطاتها ووُقّعت فيها اتفاقية للتعاون الدفاعي توسع خيارات المؤسستين العسكرية والأمنية. وليس في ذلك تخلٍّ عن الشركاء التقليديين، بل تنويع لمصادر القوة، ورسالة إلى واشنطن بلا خصومة ولا تلويح مفادها أن الأردن حليف موثوق وشريك وليس تابعاً. غير أن الاتفاقيات تبقى إطاراً حتى تُملأ بمضمون، والاختبار الحقيقي أن يتحول هذا الرصيد إلى حماية فعلية للضفة الغربية، فحدودنا الغربية الطويلة تجعل ما يجري غرب النهر شأناً دفاعياً بامتياز.
حين تُطوى الشعارات وتبقى الجغرافيا، لا يصمد من السياسات إلا ما كان بحجم البلد الذي يحملها، والأردن بحجمه وموقعه يحتاج إلى سماء محصّنة وخطوط مفتوحة دائماً مع الخليج ومصر وواشنطن، وإلى كلمة معلنة بأنه لن يكون ساحة لأحد. ويحتاج إلى مسار دولي منتظم للضفة، له جدول ومتابعة كما كان لاجتماعات العقبة، يواجه الضم وعنف المستوطنين، وإلى حضور فاعل في غزة حين تُرتَّب أمورها بعد الحرب، إغاثةً وإعماراً وأمناً، وإلى بيت داخلي يحكمه قانون واحد ويبقى فيه القرار الوطني واحداً. أما تحويل ذلك كله إلى أدوات، وتحديد من يمسك الملف داخل الدولة، وما نفعله يوم يتأخر الحليف والعالم مشغول بسواه، فمكانه المقال القادم، فالخطة التي تُكتب في ساعة الأزمة تصل بعد أزمتها. ومن لا يجلس إلى الطاولة يُفرض عليه ما يُقرَّر عليها، والأردن، وهو الأكثر تأثراً بما يُرتَّب لغزة والضفة، لا يملك أن يغيب.
هذه قراءتي وبوصلتي فيها واحدة .. مصلحة الأردن أولاً وآخراً.
