صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
بين اتساع أدوار المعلم بفعل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتزايد التحديات المرتبطة بمكانة المهنة وظروفها، يأتي اليوم العالمي للمعلمين هذا العام ليعيد طرح سؤال العلاقة بين تقدير المعلم والاستثمار في تطويره ودعم دوره داخل المدرسة.
ويحتفي العالم بالمعلمين في الخامس من تشرين الأول من كل عام، في مناسبة تتجاوز عبارات التقدير الرمزية إلى نقاش أوسع حول مكانة المهنة، وظروف العمل، والتطوير المهني، والدور المتغير للمعلم في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم.
ويكتسب اليوم العالمي للمعلمين هذا العام أهمية خاصة مع مرور ستين عامًا على اعتماد توصية منظمة العمل الدولية واليونسكو بشأن أوضاع المدرسين عام 1966، والتي وضعت معايير تتعلق بحقوق المعلمين ومسؤولياتهم، وإعدادهم وتدريبهم وتوظيفهم وظروف عملهم.
وتطرح اليونسكو في احتفالية عام 2026 قضية مكانة المعلم وضرورة حمايتها وتعزيزها في ظل التغيرات التي يشهدها قطاع التعليم، بما في ذلك التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والتحديات المرتبطة بالمناخ والإدماج والهجرة.
المعلم الأردني
في المملكة، لم يعد دور المعلم مقتصرًا على نقل المعرفة داخل غرفة الصف؛ فالتطور التكنولوجي، وتغير أنماط تعلم الطلبة، وتزايد الحاجة إلى مهارات التفكير والإبداع، كلها عوامل وسعت من مسؤولياته وجعلته عنصرًا محوريًا في تطوير العملية التعليمية.
ويفرض هذا التحول على المعلم أدوارًا جديدة تتطلب تطويرًا مهنيًا مستمرًا، والقدرة على توظيف الأدوات الرقمية، وفهمًا أعمق لاحتياجات الطلبة والفروق الفردية بينهم، إلى جانب التعامل مع متطلبات العمل المدرسي اليومية.
وكلما ارتفعت التوقعات من المعلم، ازدادت الحاجة إلى توفير الدعم المهني والبيئة المناسبة التي تمكنه من الاستجابة لهذه المتطلبات.
وتشير اليونسكو في رسالتها لعام 2026 إلى تحديات تواجه مكانة المعلم على مستويات عدة، من بينها الاعتراف المجتمعي بالمهنة، والاستقلالية المهنية، والمشاركة في صناعة السياسات التعليمية، إضافة إلى الأجور وأعباء العمل وبيئة العمل.
الذكاء الاصطناعي والمعلم
ويضيف التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى النقاش حول مستقبل مهنة التعليم، في ظل قدرة الطلبة على الوصول إلى كم كبير من المعلومات والأدوات الرقمية بسهولة.
ويعيد ذلك تعريف وظيفة المعلم من ناقل للمعلومة إلى موجه للتعلم، ومساعد للطالب على التحقق من المعلومات، وتنمية التفكير النقدي، واستخدام التكنولوجيا بصورة مسؤولة.
ولا يعني هذا التحول تراجع أهمية المعلم، بل يبرز قيمة المهارات الإنسانية والتربوية التي يقدمها، من بناء الثقة وفهم احتياجات الطلبة وتحفيزهم وتوجيههم، إلى ربط المعرفة بسياقات الحياة.
كما يعيد اليوم العالمي للمعلمين طرح أسئلة تتعلق بمدى كفاية فرص التطور المهني المتاحة للمعلمين، ومدى تناسب المسؤوليات المتزايدة مع الدعم المقدم لهم، وسبل تعزيز مشاركتهم في تطوير السياسات التعليمية، وكيفية تحويل قصص النجاح الفردية إلى ممارسات مؤسسية يستفيد منها قطاع التعليم على نطاق أوسع.
وتنسجم هذه الأسئلة مع الرسالة التي تطرحها اليونسكو في اليوم العالمي للمعلمين لعام 2026، والتي تركز على حماية مكانة مهنة التعليم وتعزيزها في ظل التحولات التي تؤثر في أنظمة التعليم عالميًا.
من الاحتفاء بالمعلم إلى الاستثمار فيه
ولا ترتبط قضية المعلم بتكريمه في مناسبة سنوية فحسب، بل تتصل بصورة أوسع بكيفية النظر إلى مهنة التعليم باعتبارها استثمارًا طويل الأمد في المجتمع.
وفي المملكة، برزت خلال السنوات الماضية مبادرات تستهدف رفع مستوى الممارسة المهنية وتشجيع التميز التربوي، من أبرزها جمعية جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي، التي تأسست في الخامس من تشرين الأول عام 2005، بالتزامن مع اليوم العالمي للمعلم، بهدف ترسيخ ثقافة التميز والاحتفاء بالمعلمين والممارسات التربوية المتميزة.
وتقدم الجمعية جوائز وبرامج تستهدف عددًا من العاملين في الميدان التربوي، من بينها جائزة المعلم المتميز، وجائزة المدير المتميز، وجائزة المرشد التربوي، فيما تمتد جهود تطوير المعلم إلى برامج التدريب والتأهيل التي تركز على إعداد وتطوير المعلمين والقيادات التربوية وتمكينهم بالمعرفة والمهارات والكفايات اللازمة للتأثير في تعلم الطلبة.
جمعية جائزة الملكة رانيا
وفي حديثها عن مسيرة الجمعية، قالت المديرة التنفيذية لـ "جمعية جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي" لبنى طوقان، إن جمعية الجائزة تحتفل هذا العام بذكرى انطلاقتها التي تصادف يوم المعلم، وتحمل حملتها شعار (من نحن.. نحن امتداد لمعلمينا)، في تعبير عن مسيرة الجمعية وعلاقتها بالمعلم منذ تأسيسها، وعن الأثر الممتد للمعلم في الأفراد والمجتمع.
وبينت طوقان أن الجمعية انطلقت في يوم المعلم عام 2005، وهو تاريخ يحمل أهمية خاصة لها، باعتبار أن يوم المعلم يمثل بوصلتها وغايتها، إلى جانب كونه يوم إطلاق الجمعية كمبادرة ملكية من قبل جلالة الملك عبدالله بن الحسين وجلالة الملكة رانيا العبدالله، ولذلك تحتفل الجمعية سنويًا بالمناسبتين معًا.
وأوضحت أن الجمعية انطلقت بإرادة ملكية سامية، وبدأت مع المعلم، قبل أن تتوسع لتشمل مختلف كوادر الميدان التربوي ومؤسساته.
وأضافت أن الجوائز توسعت لتقدير كل متميز من الأفراد والمؤسسات، وكل تميز في الميدان التربوي، بما يشمل الأساليب والقصص والحلول وغيرها.
وأشارت إلى أن حملة هذا العام تحمل سؤال (من نحن؟)، لتقدم إجابة تتمثل في (نحن امتداد لمعلمينا)، انطلاقًا من أن الأفراد امتداد لما تربوا عليه وتعلموه من أهلهم ومعلميهم، ومن هنا جاءت فكرة الحملة التي تضع المعلم في قلب الاحتفال.
وقالت طوقان إن جمعية الجائزة تعد امتدادًا لمعلميها، فمن تميزهم بدأت حكايتها، وبأثرهم استمرت وتستمر مسيرتها، مؤكدة أن أثر المعلم لا يتوقف عند صف أو مدرسة، بل يمتد مع الطلبة والمجتمع إلى ما بعد سنوات الدراسة.
وحول مشاركة أكثر من 80 بالمئة من مدارس المملكة الحكومية في جوائز الجمعية وبرامجها خلال العام الدراسي 2025/2026، قالت طوقان إن هذه المشاركة تعكس ثقة كبيرة من الميدان التربوي في برامج وجوائز التميز التربوي التي تقوم عليها الجمعية.
وأشارت إلى أن هذه النسبة تؤكد أهمية استمرار الجمعية في العمل عن قرب مع الميدان التربوي، باعتبار أن العاملين فيه هم الأدرى باحتياجاتهم وكيفية إيجاد الحلول.
وأوضحت أن جمعية الجائزة تعمل كميسر للتعرف إلى التميز والمتميزين، ومن ثم العمل على نشر وتعميق ما يتم اكتشافه من خلال توسيع الأثر.
البيانات والخبرات.. من التوثيق إلى دعم صناع القرار
وفيما يتعلق بالبيانات والخبرات المتراكمة، بينت طوقان أن الجمعية تعمل منذ عقدين على إدارتها وتطويرها بمختلف الطرق، كما استثمرتها بصورة رئيسية لخدمة وزارة التربية والتعليم ودعم صناع القرار فيها.
وأضافت أن هذه البيانات والخبرات تُستثمر كذلك في خدمة التربويين، من خلال التعرف إلى نقاط القوة ومجالات التحسين التي تظهر خلال رحلتهم في التقدم لجوائز التميز.
وأشارت إلى أنه جرى الاستفادة من هذه البيانات والخبرات في عدد من البحوث والدراسات التي أعدها طلبة في الجامعات الأردنية.
من الجائزة إلى توسيع الأثر
ولا يرتبط التميز في التعليم بتحقيق نتائج أكاديمية مرتفعة فقط، بل يشمل قدرة المعلم على تطوير ممارساته، وفهم طلبته، وخلق بيئة صفية محفزة على التعلم، والاستجابة للتغيرات التي يشهدها التعليم.
ومن هذه الزاوية، يمكن للجوائز المهنية أن تتجاوز تكريم الأفراد إلى إبراز النماذج الناجحة، ونقل الخبرات والممارسات القابلة للتطبيق إلى مدارس ومعلمين آخرين.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في الحالة الأردنية، إذ لا يعتمد تطوير التعليم على المناهج والسياسات وحدها، بل يحتاج كذلك إلى معلم قادر على تحويل هذه السياسات إلى ممارسة يومية داخل الصف.
وبين اتساع أدوار المعلم وتزايد الحاجة إلى تطويره مهنيًا، تبرز تجربة جمعية الجائزة بوصفها إحدى المبادرات التي انتقلت من تكريم التميز إلى محاولة توسيع أثره.
وفي المحصلة، لا يرتبط تقدير المعلم بالتكريم وحده، وإنما بمدى توفير الظروف التي تساعده على التطور والاستمرار والإبداع، بما يجعل الاستثمار في المهنة جزءًا من تطوير النظام التعليمي وقدرته على الاستجابة لمتغيرات المستقبل.
فأثر المعلم لا ينتهي بانتهاء الحصة أو العام الدراسي، وإنما يمتد إلى الطلبة والمجتمع، فيما يبقى التحدي الأوسع هو تحويل النماذج الفردية الناجحة إلى ممارسات مستدامة يستفيد منها الميدان التربوي بأكمله.





