قد تبدو عبارة (تحديث القطاع العام) مرتبطة بالأنظمة والإجراءات والمؤسسات الحكومية، لكن جوهرها في النهاية يرتبط بالمواطن بمدى سهولة حصوله على الخدمة، والوقت الذي يحتاجه لإنجاز معاملته، وقدرة المؤسسات على التعامل مع متطلبات المرحلة الجديدة.
ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط ماذا أنجز برنامج تحديث القطاع العام، وإنما ماذا يمكن أن يغير هذا التحديث في أداء الحكومة وفي حياة المواطن؟
وعندما أطلعت يظهر تقرير سير عمل البرنامج للنصف الأول من عام 2026 لفتني أن هناك تقدماً واضحاً في التنفيذ، إذ تم إنجاز 78 مخرجاً تنفيذياً، بنسبة 92% من المستهدف للنصف الأول من العام، وهي نسبة تعكس تقدماً جيداً، لكن الأهم هو طبيعة المشاريع التي يجري تنفيذها وما يمكن أن تضيفه إلى أداء القطاع العام.
ومن أبرز هذه المشاريع إطلاق الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، والمؤشر الوطني لتحديث القطاع العام، إلى جانب تطوير 12 إطاراً للكفايات الوظيفية للوظائف النمطية، والإطار الوطني لكفايات الذكاء الاصطناعي.
هذه الخطوات مهمة لأن تحديث المؤسسات لا يبدأ بالتكنولوجيا وحدها، بل بالإنسان الذي يعمل فيها، فوجود موظفين يمتلكون المهارات المناسبة، ووضع الكفاءة في المكان المناسب، ينعكس في النهاية على جودة الخدمة.
وفي هذا السياق، بلغت نسبة التوظيف عبر الإعلان المفتوح القائم على الجدارات 70%، فيما وصل معدل إشغال الوظائف التخصصية إلى 89%، مقارنة بـ62.9% في عام 2024.
ولعل ما يوضح طبيعة المرحلة الحالية أن القطاع العام ركز خلال النصف الأول من عام 2026 على بناء (الممكنات الوطنية) التي يحتاجها لتحقيق تحول مؤسسي مستدام، وهذه الممكنات لا تمثل غاية بحد ذاتها، وإنما تشكل الأساس الذي يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة، التي ستتجه نحو توسيع تطبيقها وتحويلها إلى نتائج ملموسة تنعكس على كفاءة الأداء الحكومي، وجودة الخدمات، وتجربة المواطن، بما يحقق الأثر المستهدف من برنامج تحديث القطاع العام.
أما بالنسبة للمواطن، فإن التحول في الخدمات الحكومية هو الجانب الأكثر وضوحاً فالمواطن اليوم يتوقع أن يجد خدمة حكومية بالسهولة نفسها التي أصبحت متاحة في كثير من جوانب حياته اليومية.
ومن هنا تأتي أهمية استمرار تطوير الخدمات الرقمية والتوجه نحو الحكومة اللاورقية، التي بلغ مؤشرها 58%، فالهدف من التحول الرقمي لا ينبغي أن يكون مجرد نقل المعاملة من الورق إلى الشاشة، وإنما تقليل الخطوات والمراجعات واختصار الوقت والجهد.
وفي الاتجاه نفسه، بلغت نسبة الشراء الإلكتروني 56%، بالتوازي مع العمل على تطوير النماذج التشغيلية والخدمات المشتركة ورفع كفاءة الإنفاق، وهي تغييرات قد لا يراها المواطن بشكل مباشر، لكنها تؤثر في كفاءة المؤسسة الحكومية وقدرتها على تقديم خدماتها.
وتزداد أهمية هذه الخطوات عند ربطها بمسار التحديث الاقتصادي، فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى إدارة عامة حديثة، والاستثمار يحتاج إلى إجراءات واضحة وسريعة، وسوق العمل يحتاج إلى كفاءات قادرة على التعامل مع التكنولوجيا والمهارات الجديدة.
ولذلك فإن تحديث القطاع العام ليس مشروعاً إدارياً منفصلاً، وإنما جزء من عملية أوسع تهدف إلى تحسين قدرة الدولة على العمل والاستجابة والتكيف مع المتغيرات.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأهم في المرحلة المقبلة هو الانتقال من قياس ما تم إنجازه إلى قياس أثره، فالأرقام ونسب الإنجاز مهمة، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما يلمس المواطن نتائجها في حياته اليومية.
قد لا يعرف المواطن عدد الأطر التي جرى تطويرها، لكنه سيلاحظ إذا أصبحت معاملته أسرع، وخدمته أوضح، ومراجعته أقل، ونجاح تحديث القطاع العام لا يقاس فقط بما أنجزته المؤسسات، وإنما بما تغير في علاقتها بالمواطن.











