صدى الشعب - كتبت نور الدويري
كأردنيةٍ أحرقتها شمس العمل والنضال، وأنعم الله عليها بالصبر والتحمل، إلى جانب وعيٍ آمنت به، وفضيلةٍ ورثتها من خلق النشميات... فمنذ نعومة أظفاري، كنت أرفع علم الأردن عاليًا، كنت أجوب مدارس العاصمة مرددة قصيدة أردن نعم .. أردن نعم يا سامعين الصوت... يا أغلى وطن، قصيدة كتبها والدي وحفظتها بالروضة فشاركت بكل احتفالات المدرسة في ال الاثنا عشر عاما بأثواب تطرزها امي وقصائد يكتبها ابي
ثم كبرت قليلًا، فتلوت قصيدة العهد للهاشميين كتبها ابي اذكر من ابياتها : عَمّان تيهي وتمايلي... وبأبي عبد الله تفاخري.
لم يكن حب الأردن عندي شعارًا... انا ولدت في البيت بعز الثلج على يد قابلة منزلية لما حملني ابي قالو لي انه أذن في اذني ثم قالو انه بشر الوطن بي فقال الله يجعلك صالحه لله والأردن.
فيبدو انها التصقت بي هذه الوصية طوال حياتي فقد تجرعته مع الحليب، في بيت أردني محافظ، علمني أن الوطن لا يُورث بالكلام، بل بالتعب، وانا اركض اشم الأكياس التي يحملها ابي عل فيها علبة حلوى صغيرة وكنت ارضى ان تفصل امي ثياب العيد في أعياد كثيره لان والداي كاردنيين كثر عزيزين النفس مهذبين النيه يحاولون كل الممكن لأولادهم وبناتهم حتى لا تنكسر خواطرهم .
كبرت ... والأردن يسكن قلبي قبل أن أسكنه، تحرقني شمسه في باصات النقل العام وأنا طالبةألهث بين محاولات الدراسة والتجسير والعمل.
وأؤمن كل يوم أن هذا البلد يستحق أن نحاول من أجله مرةً أخرى ،اكتب في السياسية منذ أكثر من عشر سنوات واركض لقضايا الوطن بصمت دون أن اخدش احد او انتقم من احد او اسب احد.
وعندما جاء زمن الأحزاب...اخترت الحزب منبرًا، لأنني لا أجيد الردح في الميادين، ولا أتقن صناعة البطولات الوهمية، ولا أعرف كيف أقترب من أصحاب النفوذ بالنفاق، رغم أن الطرق المختصرة التي كانت كثيرة أمامي.
فاخترت الطريق الأطول... لأنه الطريق الذي أستطيع أن أنظر فيه إلى المرآة دون أن أخجل من نفسي.
وبعد منشوري الأخير... غمرتموني بمحبةٍ لن أنساها ما حييت.
شكرًا لأنكم احترمتم تعب ابنتكم... وأختكم...
التي مر بها الزمن أسرع من أحلامها، لكن قلبها اتسع لرضا الله، وآمنت أن ما اختاره الله لها خير مما اختارته هي لنفسها.
واليوم... انتهى المؤتمر العام للحزب الذي انتمي إليه .
انتهت حقبة ثالثة ... وبدأت رابعة أخرى بقيادة. جديدة .
امتلأت القاعة بالتهاني،ازدحمت المنصة بالفائزين (بالتزكية والتوافق) والتقطت الصور،وتعالت التصفيقات.
أما أنا...فكنت أردد في داخلي: "سبحانك اللهم... استودعتك الأردن، فأنت خير الحافظين."
ثم أُعلن اسمي... في قائمة احتياط المكتب السياسي.
لم أشعر بفرحٍ عارم... ولا بانكسار.
كان السؤال الوحيد الذي دار في رأسي هل سننجح فعلًا في خدمة هذا الوطن من هذا المنبر؟
اقترب مني أحد النواب وسألني إن كنت أرغب بإجراء مقابلة تلفزيونية عن المؤتمر.
ضحكت وقلت ممازحة : كثير أمدح وله شوي.
ثم أخبروني أنهم اختاروا شخصًا آخر، فضحكت أكثر...
لأنني منذ أكثر من عشر سنوات ... لم أكتب حرفًا يسيء لمكان عملت فيه، ولم أكتب إساءة لحزبي، ولم انتقد حتى من انتقدني فأنا تربيت على أن تاج المرأه ليس شعرها بل خجلها والخجل ليس في هدوء وضبط تصرف بل في عدم رد الأذى في عز إلقاء الأذى علينا .
ولم أتعلم يومًا أن أحرق المراكب لأكسب التصفيق ولا أجيد الانتقام حتى لو السلاح بيدي .
وها انا غدًا... سأشد الرحال إلى عملي، في أحد أطراف عمان،ذلك المكان الذي انتقلت إليه فجأة سأكتب عن وجدتي فيه يوما .
مكان...لا توجد فيه شبكة هاتف، ولا إنترنت، ولا حتى نافذة تسرق قليلًا من ضيق الجدران، لكنني ادخله راضيه مرضيه اعمل باخلاص واحترام فهذا باب الحلال رزقه عسير هكذا امي تقول دائما وها انا احاول وتسعى على استحق يوما مكان أفضل ، وأدخل إليه بكامل أناقتي...
وبالكعب نفسه... الذي انكسر على درجات كثيرة،
وما زلت أرتديه. سأكتب يومًا عن تلك الدرجات والاماكن ووجوه مبهه حتى لا المح سوء ليس خوفا إنما قوة ابنيهم بينكم ومعكم .
وسأكتب عن البنزين الذي أضعه في سيارتي بالتقطير...
حتى إذا وصل مؤشر الوقود إلى النصف...
أضحك وأقول : بتنتع، مش متعودة على الجخ
وأبتسم... لأن هذه هي حكاية كثير من أبناء الأردن.
نزهد في رفاهية حياتنا...حتى لا نزهد في لقمةٍ حلال ،رغم اننا انيقون وعزيزون فنحن اردنييون أبناء الدولة ترى في أنفسنا شموخ الدولة كله فصرنا الجسد الذي لا يتمزق مهما مر به المارقون والغادرون
نركض فوق هذه الأرض المباركة سنواتٍ طويلة...
ونؤمن أن الرزق يأتي من الله، ولو تأخر،فنحن لا نحمل الأردن في بطاقاتنا الشخصية فقط... بل نحمله في دمائنا.
اليوم يبدأ الحزب مرحلة جديدة.
واخترته منبرًا... ليس لأتحدث باسمي وحدي، بل باسم كل من يشعر أن هذا البلد يشبهه...
ولا يجد من يشبهه في مواقع القرار، وسأركض...
حتى لو أعلنت الأيام أنني فشلت بينهم.
وعندها فقط... سأروي لكم القصة كاملة كيف كانت قصة التحديث السياسي كاملة وكيف بدأ حلم الملك، وكيف ترجموه لاحقا..
هذا الصباح قالت لي أمي: يمّا يا نور... شو بدِّك بالحزب؟ مش إلنا هالمكان.
نظرت إليها وقلت: لهذا السبب بالضبط يجب أن أبقى.
لأن هذه الجملة... هي التي جعلت آلاف الأردنيين يصدقون أن السياسة ليست لهم، وأن القرار ليس لهم.
وأن هذه الأماكن خُلقت لغيرهم.
أما أنا... فسأخوض حربي الصغيرة، بلا ظهر ، ولا مال، ولا سلطة.. إلا ظهر الله معي، ومالٍ أقتطعُه قطرةً قطرةً من راتبي بعد احصاد مسؤوليتي وادوية والدي ،أما سلطتي الحقيقية... فهي أنتم، كلماتكم، ودعمكم ودعاؤكم وثقتكم.
كلما قلت إنني أمثل الغلابة... قالوا لي: تظاهري أنك غنية... حتى يقبلوا بك.
لكنني اليوم... فخورة أنني غنية، غنية بقلوب الناس، بمحبتهم، باحترامهم، وبإيمانهم أنني حين أقسم أنني سأدافع عنهم...
فأنا لا أبحث عن تصفيق، أبحث عن قانونٍ ينصفهم.
وتشريعٍ يحميهم، وبرنامجٍ يجعل لهم مكانًا بين أصحاب القرار.
أريد يومًا... أن نبكي فرحًا... تحت القبة، وفي الحكومة.
حين ينتصر حق مظلومٍ منا لا يخاف كيف يجد وظيفه ولا يخاف كيف يجدد عقدا ولا يموت قهرا لانه قليله الحيله حين كسر قلوب احبته لضعف حاله لتحقيق حلم بسيط
انتهى المؤتمر العام..
وأبارك للأمين العام، وللمكتب السياسي، وللمحكمة الحزبية، ولكل من نال ثقة الأعضاء.
وسأقف معهم... وأختلف معهم حين يلزم.
وأساندهم حين يصيبون، لأن الأردن أكبر منا جميعًا.
وأعدكم... أن أبقى أحاول.
حتى يأتي يوم تقولون فيه: هاي الي حرقتها الشمس ولم تحرق وطنها بتشبهنا.
بنتٌ لم تدخل السياسة لتلتقط صورة...
بل دخلتها لتبني لنا صورة لمن بشبهوننا .
صورة أبناء وبنات الأردن... الذين لم يرثوا المال ولا النفوذ... لكنهم ورثوا هذا الوطن...
وسيظلون يحاولون أن يردوا له الجميل.












