العوران: إنتاج القمح بالمملكة لا يغطي أكثر من 10% من احتياجات السوق المحلي العوران: زراعة الزيتون جاءت على حساب أراضي القمح صدى الشعب – سليمان أبو خرمة في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي، عادت زراعة القمح في المملكة إلى واجهة النقاش مجددًا، بعد الحرائق التي شهدتها المملكة خلال الأسابيع الماضية وطالت مساحات زراعية في عدد من المناطق، ما أثار جدلًا واسعًا بين الأردنيين وأعاد تسليط الضوء على واقع هذا المحصول الاستراتيجي، بوصفه ركيزة أساسية في قدرة المملكة على تأمين احتياجاتها الغذائية وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية. ويأتي ذلك في ظل تحديات متزايدة تواجه القطاع الزراعي، أبرزها التغيرات المناخية المتسارعة، وشح الموارد المائية، إلى جانب الضغوط السكانية التي رفعت مستويات الطلب على السلع الأساسية وفي مقدمتها القمح. ومع تراجع الإنتاج المحلي خلال السنوات الماضية واتساع الفجوة بين ما ينتجه الأردن وما يستهلكه فعليًا، تبرز تساؤلات جوهرية حول واقع هذا القطاع، والتحديات التي أعاقت توسعه، وإمكانية استعادة جزء من الاكتفاء الذاتي مستقبلًا. التغير المناخي والتشريعات الزراعية وراء التراجع وفي هذا السياق، قال مدير عام اتحاد المزارعين الأردنيين المهندس محمود العوران، إن زراعة القمح في الأردن شهدت خلال السنوات العشر الأخيرة، وربما أكثر، تراجعًا ملحوظًا نتيجة اتساع دائرة التغيرات المناخية، الأمر الذي دفع العديد من المزارعين إلى الإحجام أو الابتعاد عن زراعة المحاصيل الحقلية، بسبب حالة عدم الاستقرار التي باتت تميز المواسم الزراعية. وأوضح العوران خلال حديثه لـ"صدى الشعب" أن تذبذب الهطولات المطرية وتأخر المواسم المطرية في كثير من الأحيان، إلى جانب تسجيل هطولات مطرية في بداية فصل الخريف يعقبها انقطاع طويل، يؤثر بشكل سلبي ومباشر على نمو المحاصيل الحقلية، لافتًا إلى أن السنوات العشر الماضية شهدت عدة عوامل ساهمت في تراجع زراعة المحاصيل الحقلية بشكل عام. وأشار إلى أن أبرز هذه العوامل تتمثل أولًا في ظاهرة التغيرات المناخية، إضافة إلى التشريعات والقوانين الناظمة للعمل الزراعي وقوانين الزراعة، موضحًا أن الإنتاج المحلي من القمح، حتى في السنوات الوفيرة، لا يستطيع في ظل المساحات المستغلة فعليًا أن يغطي أكثر من 10 بالمئة من احتياجات السوق المحلي. وأكد أنه في حال إدخال تقنيات حديثة، وتفعيل البحث العلمي، ووضع استراتيجيات متخصصة للقطاع الزراعي، فإن الأردن يستطيع تحقيق نسب أفضل من الإنتاج المحلي بما يسهم بشكل ملموس في تغطية احتياجات السوق المحلي. وبيّن أن الأردن كان في مراحل سابقة قادرًا على تغطية احتياجات السوق المحلي من القمح، بل وكان يصدره إلى الخارج حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي. وأشار إلى أن القمح الأردني كان مطلوبًا عالميًا لبعض الصناعات وعلى رأسها صناعة المعكرونة، نظرًا لما يتمتع به من جودة عالية، لافتًا إلى أن القمح الأردني ما يزال يتميز بالقشرة الصلبة التي تمنحه قيمة إنتاجية وصناعية مميزة. وأضاف أن أسباب تراجع زراعة القمح لا ترتبط فقط بالتغيرات المناخية وتذبذب الهطولات المطرية، وإنما أيضًا بتغير الأنماط الزراعية خلال العقود الماضية، موضحًا أن التوسع في زراعة الأشجار، وبخاصة أشجار الزيتون، جاء على حساب الأراضي الزراعية الصالحة لزراعة المحاصيل الحقلية. وقال إن المفترض أن تكون المناطق الوعرة والمنحدرات هي البيئة الطبيعية المناسبة لزراعة الأشجار بشكل عام، إلا أن ما حدث هو التوسع بزراعة الزيتون في الأراضي المستوية التي تعد من أفضل الأراضي الملائمة لزراعة القمح، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تراجع المساحات المزروعة بالمحاصيل الحقلية. الحل بالبحث العلمي وحول إمكانية زيادة الإنتاج المحلي، أكد أن الأردن يمتلك فعليًا القدرة على زيادة إنتاج القمح والاقتراب من تحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، مشددًا على أهمية البحث العلمي في رفع إنتاجية الدونم الواحد، والاستفادة من تجارب الدول الشقيقة التي وصلت فيها إنتاجية الدونم إلى نحو 800 كيلوغرام. وأشار إلى أن الأردن نفسه يمتلك نماذج ناجحة، موضحًا أنه من خلال محطة المشقر الزراعية، سجلت بعض أصناف القمح إنتاجية وصلت إلى طن كامل للدونم الواحد، ما يعكس وجود إمكانيات حقيقية يمكن البناء عليها في حال تم الاستثمار بشكل أكبر في البحث العلمي الزراعي. وأضاف أن إنتاجية الدونم في الأردن تعتمد على عدة عوامل مرتبطة بالظروف المناخية والتقنيات الزراعية المستخدمة، إلا أن المعدلات الحالية التي يسجلها المزارعون عادة تتراوح ما بين 300 إلى 400 كيلوغرام للدونم الواحد. وحول الطروحات التي ترى أن استيراد القمح أوفر اقتصاديًا من زراعته محليًا، شدد على أن الحديث عن القمح لا يمكن اختزاله في الجانب الاقتصادي فقط، باعتباره محصولًا استراتيجيًا يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي الوطني، وله كذلك أبعاد بيئية واجتماعية متعددة. وأوضح أن الموسم الزراعي الجيد ينعكس إيجابًا على قطاعات أخرى مرتبطة بالإنتاج الزراعي، مشيرًا إلى أن وفرة المحاصيل تعني وجود الحصادات في الحقول، وتوفر التبن والشعير، وهو ما يشكل عامل استقرار مهم لمربي المواشي، إلى جانب دوره في دعم مزارعي المحاصيل الحقلية بشكل عام. ضرورة وضع خطط استباقية للحد من الحرائق وفيما يتعلق بملف الحرائق التي شهدتها المملكة مؤخرًا وأثرت على مساحات مزروعة بالقمح، قال العوران إن الاتحاد العام للمزارعين كان قد حذر منذ بداية الموسم الزراعي، وتحديدًا خلال شهر آذار الماضي، من خطورة هذا الملف، خاصة في ظل قيام المزارعين هذا العام باستغلال أراضيهم بشكل واسع لزراعة المحاصيل الحقلية، بما في ذلك الأراضي المحاذية للطرق الرئيسية. وأضاف أن الاتحاد طالب مبكرًا بضرورة وضع خطط استباقية للحد من الحرائق، وتنفيذ حملات توعية عامة، وصولًا إلى تضمين خطب الجمعة رسائل توعوية تتعلق بأهمية زراعة القمح وخطورة إشعال النيران بالقرب من الأراضي الزراعية، إلى جانب توعية المتنزهين بضرورة إطفاء النيران وعدم تركها مشتعلة. وأشار إلى أهمية مراقبة هذه المناطق الزراعية باستخدام طائرات الدرون أو كاشفات الدخان، وإنشاء طرق مخصصة للوصول إلى الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية في مختلف المحافظات، إضافة إلى تخصيص دوريات شبه ثابتة لآليات الإطفاء على الطرق الخارجية القريبة من المناطق الزراعية، إلى جانب إنشاء خطوط نار وقائية تحد من انتشار الحرائق. وأكد العوران أن المزارعين يشعرون بحالة استياء كبيرة بعد احتراق ما يقارب 10 آلاف دونم من الأراضي الزراعية، موضحًا أن هذه الخسائر تؤثر بشكل مباشر على حجم الإنتاج الزراعي، فضلًا عن تأثيرها النفسي الكبير على المزارع الذي ينتظر الموسم الزراعي طوال العام. وفيما يتعلق بمستقبل القطاع، دعا العوران إلى ضرورة تعزيز التواصل المستمر بين مواقع الطقس المختلفة ودائرة الأرصاد الجوية والمزارعين، من خلال توفير نشرات جوية طويلة الأمد تمكن المزارع من معرفة كيفية استغلال واستثمار أراضيه بالشكل الأمثل. كما شدد على ضرورة تفعيل دور البحث العلمي بشكل أكبر لزيادة إنتاجية الدونم الواحد من القمح، وتشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة بهذا المحصول، مثل إنتاج الفريكة والبرغل والجريشة، مؤكدًا أن هذه الصناعات من شأنها تعزيز الجدوى الاقتصادية لزراعة القمح وتشجيع المزارعين على التوسع في زراعته مستقبلًا.
التحكم بالخط:
بعد حرائق المحاصيل… زراعة القمح بالمملكة إلى أين؟ والعوران لـ”صدى الشعب”: 10 آلاف دونم التهمتها الحرائق

التحكم بالخط:
العوران: إنتاج القمح بالمملكة لا يغطي أكثر من 10% من احتياجات السوق المحلي العوران: زراعة الزيتون جاءت على حساب أراضي القمح صدى الشعب – سليمان أبو خرمة في وقت…












