صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
تشير المعطيات الواردة في التقرير الإحصائي الجنائي إلى أن ملف المخدرات في الأردن ما يزال يشكل تحدياً أمنياً معقداً، رغم تسجيل انخفاض نسبي في إجمالي الجرائم بنسبة 12.78% خلال العام الماضي، لتصل إلى 22031 جريمة.
وتؤكد البيانات أن الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها مديرية الأمن العام، إلى جانب القوات المسلحة الأردنية–الجيش العربي، تبذل جهوداً جبارة ومستمرة في مواجهة هذه الآفة، سواء على صعيد ضبط شبكات التهريب أو ملاحقة قضايا الاتجار والتعاطي، في ظل بيئة إقليمية ومحلية شديدة التعقيد.
ورغم هذا الجهد، ما تزال جرائم الحيازة والتعاطي تستحوذ على النسبة الأكبر من القضايا بما يزيد على 71%، في حين يسجل الأردن جريمة مخدرات واحدة تقريباً كل 24 دقيقة، ما يعكس استمرار ضغط الظاهرة واتساع نطاقها.
كما تُظهر الأرقام تبايناً جغرافياً في توزيع الجرائم، مع بروز إقليم العاصمة في المرتبة الأولى، إلى جانب استمرار تسجيل قضايا مرتبطة بالأحداث، وتحولات في طبيعة الجرائم بين الأجانب بين ارتفاع في الاتجار وتراجع في الحيازة والتعاطي.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يبرز تساؤل أوسع حول أسباب استمرار الظاهرة رغم الجهود الأمنية الجبارة، وحدود فاعلية المعالجة الأمنية وحدها، مقابل الحاجة إلى مقاربات اجتماعية وتربوية واقتصادية أكثر شمولاً..
الحمود: البطالة والفقر والتفكك الأسري وراء اتساع المخدرات والوسيط لا يقل عن خطر التاجر
وبهذا الإطار، أكد مدير الأمن العام الأسبق وعضو مجلس الأعيان فاضل الحمود، أن المخدرات باتت تشكل عاملاً مباشراً في ارتكاب العديد من الجرائم داخل المجتمع الأردني، وفق ما تعكسه تقارير مديرية الأمن العام وسجلاتها الرسمية.
وقال الحمود خلال حديثه لـ”صدى الشعب” إن استمرار انتشار المخدرات واتساع دائرة التعاطي والحيازة يعود إلى مجموعة من الأسباب، في مقدمتها الموقع الجغرافي للأردن الذي يشكل خط عبور رئيسي من دول الإنتاج إلى دول الاستهلاك، ما يضع المملكة في مواجهة مباشرة مع شبكات التهريب.
وأشار إلى أن القوات المسلحة الأردنية الباسلة تخوض معركة مستمرة على الحدود الشمالية والشمالية الشرقية في مواجهة هذه الآفة، لافتاً إلى عمليات الضبط اليومية التي تنفذها القوات المسلحة، خاصة خلال الفترات التي شهدت فيها بعض دول الجوار نشاطاً مرتبطاً بتصنيع المواد المخدرة وتهريبها، ومحاولات إدخالها إلى الأردن أو عبره إلى دول عربية مجاورة.
وأضاف أن من بين الأسباب الداخلية التي ساهمت في انتشار الظاهرة، البطالة والفقر، ما دفع بعض الشباب إلى التوجه نحو التعاطي أو الترويج، إلى جانب ضعف الوازع الديني والتفكك الأسري وغياب الرقابة الأسرية على الأبناء، وهي عوامل أسهمت في اتساع نطاق تعاطي وترويج المخدرات.
كما أشار إلى تطور أساليب الترويج باستخدام التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أن إدارة مكافحة المخدرات تتعامل مع هذا التحدي بشكل مستمر من خلال مراقبة هذه الوسائل وضبط محاولات الترويج عبرها.
وفيما يتعلق بالوسيط في قضايا المخدرات، اعتبر الحمود أنه يشكل الحلقة الأخطر في هذه الآفة، باعتباره حلقة الوصل بين التاجر والمتعاطي، مشيراً إلى أن خطورته لا تقل عن خطورة التاجر، مؤكداً في الوقت ذاته أن إدارة مكافحة المخدرات تبذل جهوداً متواصلة في ضبط التجار والوسطاء والمروجين والمتعاطين دون تقصير.
الحمود: معركة المخدرات لا تُحسم أمنياً فقط المطلوب جهد وطني شامل من الدولة والمجتمع
وبشأن حجم القضايا المسجلة والتي تجاوزت 22 ألف جريمة مخدرات خلال العام الماضي، قال الحمود إن الرقم يعكس حجم التحدي القائم، رغم الجهود الأمنية الكبيرة المبذولة من إدارة مكافحة المخدرات والقوات المسلحة.
ودعا إلى ضرورة تبني جهد وطني شامل لمكافحة المخدرات، يقوم على تضافر جميع مؤسسات الوطن، بما يشمل الأسرة ومنظمات المجتمع المدني والوزارات والمؤسسات الرسمية، مؤكداً أن المسؤولية لا تقع على الأجهزة الأمنية وحدها.
وأوضح أن إدارة مكافحة المخدرات، ورغم أن دورها الأساسي هو الضبط، إلا أنها تقوم أيضاً بدور توعوي وعلاجي منذ عام 1992، من خلال مركز معالجة المدمنين في شارع الأردن، وذلك نتيجة وجود قصور سابق في الجهات المعنية بالعلاج، مشيراً إلى أن المركز حقق نجاحات كبيرة في هذا المجال.
وبيّن الحمود أن مواجهة المخدرات تتطلب تكاملاً في الأدوار بين وزارات الأوقاف من خلال المساجد، والتربية والتعليم والتعليم العالي في المدارس والجامعات، ووزارة الثقافة، ووزارة الشباب، ومؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى الدور الأساسي للأسرة، مؤكداً أن مكافحة هذه الآفة لا يمكن أن تنجح دون تضافر شامل للجهود الوطنية، وألا تبقى مسؤولية محصورة في الأجهزة الأمنية أو القوات المسلحة فقط.






