في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، باتت توقعات الأبراج والمحتويات التنجيمية تحظى باهتمام شريحة واسعة من الشباب، الذين يتابعون مقاطع تتناول الحب والعمل والحظ والمستقبل، وتقدم إجابات تبدو واضحة عن أسئلة تشغل حياتهم اليومية. ومع تكرار هذه المقاطع وظهورها باستمرار أمام المستخدمين، قد يجد بعضهم نفسه أكثر ميلًا إلى تصديقها، خصوصًا عندما تتقاطع بعض التوقعات مع تجارب شخصية مرّ بها.
وبين الرغبة في فهم الذات والبحث عن الطمأنينة بشأن المستقبل، يبرز تساؤل حول الأسباب التي تجعل هذه المحتويات قادرة على جذب المتابعين والتأثير في أفكارهم وقراراتهم، ومدى استنادها إلى أسس علمية يمكن التحقق منها.
وفي هذا السياق، توضح المدربة الفلكية وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، دلال اللالا، أن منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في انتشار التنجيم من خلال أساليب العرض الجاذبة، والفيديوهات القصيرة، والعناوين المثيرة، والحديث الواثق الذي يستخدمه بعض المنجّمين لاستقطاب الجمهور، ولا سيما فئة الشباب.
وتشير اللالا إلى أن بعض هذه المحتويات يمزج معلومات صحيحة عن حركة الكواكب والظواهر الفلكية بتفسيرات تتعلق بمصير الإنسان وحياته الشخصية، ما قد يدفع المشاهد إلى الاعتقاد بأن التوقعات المطروحة تستند إلى العلم. إلا أن صحة المعلومة الفلكية لا تعني صحة ربطها بمستقبل الإنسان، فمعرفة حركة الأجرام السماوية لا تمنح القدرة على التنبؤ بقرارات الأشخاص أو مصائرهم.
وتضيف أن خوارزميات المنصات تقترح على المستخدمين محتويات مشابهة لما يشاهدونه ويتفاعلون معه، ما يؤدي إلى تكرار الأفكار ذاتها أمامهم، وقد يجعلها تبدو أكثر إقناعًا نتيجة كثرة ظهورها. وترى أن مواجهة ذلك تتطلب تعزيز الوعي النقدي لدى الشباب، وتشجيعهم على التساؤل عن الأدلة التي تثبت وجود علاقة بين الظواهر الفلكية وحياتهم اليومية.
لماذا تبدو توقعات الأبراج قريبة من الواقع؟
وعن شعور بعض الأشخاص بأن توقعات الأبراج تصف شخصياتهم أو تعكس ما يمرون به، تبيّن اللالا أن هذه التوقعات غالبًا ما تتناول تجارب إنسانية عامة، مثل الحزن والسعادة والخلافات والأخبار الجيدة وفقدان الأحبة، وهي أمور يمكن أن تحدث لمعظم الناس في مراحل مختلفة من حياتهم.
وتلفت إلى أن العبارات العامة وغير المحددة زمنيًا تتيح مساحة واسعة أمام المتلقي لربطها بتجاربه الشخصية، وهو ما يرتبط بما يُعرف في علم النفس بـ«تأثير بارنوم»، الذي يشير إلى ميل الأفراد إلى الاعتقاد بأن الأوصاف العامة تنطبق عليهم بصورة خاصة ودقيقة.
كما توضح أن بعض المنجّمين قد يستخدمون أسئلة تبدو عابرة لاستخلاص معلومات من الشخص، ثم يبنون عليها استنتاجات يعيدون تقديمها بطريقة توحي بأنهم يعرفون تفاصيل حياته مسبقًا. وقد يشعر الشخص بالدهشة من دقة الكلام، بينما يكشف التمعّن أن هذه الاستنتاجات استندت إلى معلومات قدّمها بنفسه أو إلى تجارب شائعة بين الناس.
وتؤكد اللالا أن الإنسان قد يتذكر التوقع الذي صادف حدثًا حقيقيًا في حياته، في مقابل نسيان التوقعات التي لم تتحقق، وهو ما يرتبط بالتحيز التأكيدي؛ أي الميل إلى التركيز على المعلومات التي تدعم المعتقدات الموجودة مسبقًا، وتجاهل ما يناقضها.
وتشدد على أن توافق توقع ما مع حدث واقعي لا يثبت أن صاحبه يمتلك القدرة على معرفة المستقبل، كما أن شخصية الإنسان لا يمكن اختزالها في برج أو وصف ثابت، إذ تتأثر صفاته بالتربية والخبرات والبيئة المحيطة، وقد تتغير تدريجيًا مع مرور الوقت.
من التوقعات إلى القرارات المصيرية
ولا يقتصر تأثير المحتوى التنجيمي على التسلية أو الفضول، بل قد يمتد إلى القرارات العاطفية والمهنية لدى بعض المتابعين، خصوصًا عندما يصبح مرجعًا يستندون إليه في تقييم علاقاتهم أو تحديد خطواتهم المستقبلية.
وفي هذا الإطار، تشدد اللالا على ضرورة التمييز بين علم الفلك والتنجيم؛ فعلم الفلك يدرس الأجرام السماوية والظواهر المرتبطة بها وفق مناهج علمية، في حين يقوم التنجيم على ربط مواقع الأجرام وحركاتها بصفات الإنسان وحظوظه وأحداث حياته، دون وجود أدلة علمية موثوقة تثبت صحة هذه الادعاءات.
وتوضح أن بعض المحتويات تستخدم معلومات فلكية صحيحة، ثم تمزجها بتفسيرات تستهدف مشاعر الناس ورغبتهم في الاطمئنان إلى المستقبل، الأمر الذي قد يوقع المتابع في الخلط بين المعرفة العلمية والتأويلات التنجيمية.
وتلفت إلى أن تكرار هذه الرسائل عبر منصات التواصل قد يدفع بعض الأشخاص إلى التعامل معها بوصفها مرجعًا لاتخاذ قراراتهم؛ فقد يرفض أحدهم الارتباط بشخص بسبب عدم توافق الأبراج، أو يؤجل فرصة عمل اعتقادًا بأن الفترة غير مناسبة وفق توقعات أحد المنجّمين.
وترى اللالا أن مثل هذه الممارسات قد تجعل التنجيم وسيلة للتأثير في اختيارات الأفراد، مؤكدة أهمية اتخاذ القرارات العاطفية والمهنية استنادًا إلى الواقع، وفهم الظروف والإمكانات الشخصية، والاستعانة بالمعرفة الموثوقة وأصحاب الاختصاص.
متى يتحول المحتوى التنجيمي إلى استغلال؟
وتوضح اللالا أن فضول الإنسان ورغبته في فهم الكون والمستقبل أمران طبيعيان، وقد شكّلا دافعًا مهمًا للاكتشاف والتقدم العلمي، إلا أن هناك فرقًا بين الفضول الذي يقود إلى المعرفة، والمحتوى الذي يستغل هذه الرغبة لإيهام الناس بامتلاك القدرة على كشف الغيب أو التنبؤ بالأحداث.
وتتحفظ اللالا على اعتبار المحتوى التنجيمي ترفيهًا غير مؤذٍ عندما يربط الظواهر الفلكية بمشاعر الناس ومصائرهم، مشيرة إلى أن تقديم المعرفة العلمية بأسلوب ممتع يختلف عن الادعاء بأن حركة كوكب تنذر بفشل علاقة أو وقوع حدث مؤلم.
وتبيّن أن من أبرز علامات الاستغلال استخدام التخويف، وتقديم وعود مؤكدة بالزواج أو المال، أو مطالبة المتابعين بدفع مبالغ مالية لتجنب ضرر مزعوم. كما أن الاستغلال لا يقتصر على الجانب المالي، بل قد يشمل استنزاف وقت المتابعين، وزرع القلق في نفوسهم، ودفعهم إلى العودة المتكررة للمحتوى كلما شعروا بالحيرة أو الخوف.
وتدعو إلى طرح سؤال أساسي عند متابعة هذه المواد: هل يقدم المحتوى معرفة يمكن التحقق منها، أم يزيد الشعور بالخوف والاعتماد على صاحبه؟
ومن المنظور الإسلامي، تستشهد اللالا بقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، من سورة النمل، الآية 65.
الوعي العلمي طريق لمواجهة التضليل
وفي ختام حديثها، تؤكد اللالا أن تعزيز الثقافة الفلكية يمثل خطوة أساسية لمساعدة الشباب على التمييز بين العلم والتنجيم، داعية إياهم إلى التعرف إلى السماء من خلال مصادر علمية موثوقة، والاستفادة من علم الفلك الذي تتقاطع تطبيقاته مع مجالات متعددة، مثل الرياضيات والفيزياء والتكنولوجيا والملاحة.
وتشير إلى أن رصد الأجرام السماوية وحركاتها يسهم في تطبيقات عملية، من بينها تحديد الوقت والاتجاهات، والمساعدة في تحديد بدايات الأشهر القمرية ورصد التغيرات المرتبطة بالفصول.
وتوضح أن وجود كوكبات البروج في السماء حقيقة فلكية، لكنه لا يعني صحة التوقعات المنسوبة إليها، إذ لا يوجد دليل علمي موثوق يثبت أن البرج الذي ينتمي إليه الإنسان يحدد شخصيته أو مستقبله العاطفي والمهني.
وتختتم اللالا بالتأكيد على أهمية بناء القرارات على معرفة القدرات الشخصية والظروف الواقعية والتجربة والمعلومات الموثوقة، بدلًا من الاعتماد على توقعات المنجّمين، قائلة إن تأمل السماء ينبغي أن يكون وسيلة للتعلم والاكتشاف، وأن يكون مستقبل الإنسان ثمرة وعيه وسعيه، لا توقعات الآخرين





