صدى الشعب
تصاعدت حدة المواجهة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية، عقب هجوم حاد شنه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما على إدارة الرئيس دونالد ترامب، متهماً إياها بتوظيف سلطات الحكومة الفيدرالية لاستهداف الخصوم السياسيين وترهيبهم، وذلك على خلفية مداهمة منزل النائبة الديمقراطية في الكونغرس إلهان عمر، والتحقيق في ملف حصولها على الجنسية الأميركية.
واعتبر أوباما أن الإجراءات المتخذة بحق النائبة ذات الأصول الصومالية تمثل سابقة مقلقة تمس المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية الأميركية، محذراً من التداعيات الخطيرة لاستخدام أجهزة إنفاذ القانون في النزاعات السياسية.
وأكد الرئيس الأميركي الأسبق، في بيان نشره عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، أن من المبادئ الجوهرية للديمقراطية عدم جواز استهداف المواطنين بسبب معتقداتهم أو آرائهم ومواقفهم السياسية، مشيراً إلى أن ما تتعرض له إلهان عمر يعكس، بحسب وصفه، تجاوزاً خطيراً لهذا المبدأ.
وشدد أوباما على أن تسخير إمكانات الحكومة الفيدرالية لملاحقة مسؤولة منتخبة بسبب انتقاداتها للرئيس ينبغي أن يثير قلق جميع الأميركيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية أو مواقفهم من النائبة.
وجاءت تصريحات أوباما عقب مداهمة نفذها عملاء اتحاديون، في الثاني عشر من تشرين الأول الجاري، لمنزل إلهان عمر في العاصمة واشنطن، ضمن تحقيق يتعلق بملفات الهجرة والتجنيس الخاصة بها وبعائلتها، حيث صادرت السلطات هاتفها الشخصي ووثائق وسجلات من المنزل.
وأثارت المداهمة موجة واسعة من الانتقادات السياسية والقانونية، خصوصاً أنها جاءت قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، في وقت تخوض فيه النائبة الديمقراطية حملة انتخابية للفوز بولاية جديدة عن ولاية مينيسوتا.
وتتمحور التحقيقات حول شبهات تتعلق بصحة بعض المعلومات الواردة في ملفات الهجرة والجنسية قبل أكثر من ربع قرن، فيما تنفي عمر ارتكاب أي مخالفات، وتؤكد أن الإجراءات التي تستهدفها ذات دوافع سياسية.
وفي دفاعه عن النائبة، استعرض أوباما تفاصيل حصولها على الجنسية الأميركية، موضحاً أنها وصلت إلى الولايات المتحدة برفقة والدها عندما كانت تبلغ الثانية عشرة من عمرها، وأن والدها حصل على الجنسية الأميركية بعد خمس سنوات، عندما كانت ابنته في السابعة عشرة.
وأشار إلى أن القواعد القانونية المتعلقة باكتساب الجنسية عن طريق أحد الوالدين أتاحت لها الحصول عليها في ذلك العمر، معتبراً أن التشكيك في جنسيتها يستند إلى فرضيات غير مثبتة بشأن عمرها وقت تجنيس والدها.
وفي المقابل، أكد مسؤول ملف الحدود والهجرة في إدارة ترامب، توم هومان، أن إسقاط الجنسية الأميركية يظل إجراءً قانونياً ممكناً في الحالات التي يثبت فيها تقديم معلومات كاذبة خلال إجراءات التجنيس، مشيراً إلى أن اتخاذ مثل هذه الخطوة يتطلب مساراً قانونياً معقداً.
وتثير هذه التصريحات مخاوف لدى معارضي الإدارة الأميركية من احتمال انتقال القضية من التحقيق في ملفات الهجرة إلى محاولة سحب الجنسية وترحيل النائبة خارج الولايات المتحدة، رغم أنها تشغل مقعداً منتخباً في مجلس النواب.
من جانبها، رفضت إلهان عمر الاتهامات الموجهة إليها، ووصفت ما يجري بأنه محاولة لإسكات صوتها السياسي، مؤكدة أنها لن تتراجع عن مواقفها وانتقاداتها لسياسات الإدارة الأميركية.
كما اعترض محاموها على قانونية إجراءات التفتيش، مطالبين بإعادة الممتلكات المصادرة، ومعتبرين أن توقيت المداهمة يثير تساؤلات جدية بشأن احتمال تأثير التحقيق في العملية الانتخابية.
وتعيد القضية إلى الواجهة الخلافات التاريخية بين أوباما وترامب، ولا سيما بعدما سبق أن روج الأخير ادعاءات غير صحيحة بشأن مكان ولادة أوباما وأحقيته الدستورية في تولي الرئاسة الأميركية.
ويرى منتقدو إدارة ترامب أن استهداف شخصيات سياسية بارزة من خلال التحقيقات الفيدرالية يثير تساؤلات بشأن استقلالية مؤسسات إنفاذ القانون، وحدود العلاقة بين السلطة التنفيذية والأجهزة القضائية والأمنية.
وتأتي هذه التطورات في ظل انقسام سياسي حاد تشهده الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل، وما يصاحبها من تصاعد المواجهات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وفي خضم هذه الأزمة، حذر أوباما من أن التساهل مع استهداف المسؤولين المنتخبين بسبب مواقفهم السياسية قد يفتح الباب أمام ممارسات مماثلة في المستقبل، مؤكداً أن حماية المؤسسات الديمقراطية لا ترتبط بالدفاع عن حزب أو شخصية بعينها، وإنما بصون الحقوق الدستورية لجميع الأميركيين.
وتضع قضية إلهان عمر الإدارة الأميركية أمام اختبار سياسي وقانوني حساس، في وقت يتسع فيه الجدل بشأن ما إذا كانت الإجراءات المتخذة تندرج ضمن تحقيق جنائي مشروع، أم أنها تعكس توظيفاً للسلطة في مواجهة المعارضين السياسيين، وهي مسألة لم تُحسم بعد أمام القضاء.




