صدى الشعب -أسيل جمال الطراونة
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع واتساع استخدام المنصات الرقمية، باتت الأخبار الزائفة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات والمؤسسات الإعلامية حول العالم، لما لها من تأثير مباشر على تشكيل الرأي العام وصناعة القرار.
ومع سهولة تداول المعلومات وانتشارها خلال ثوانٍ، أصبحت الحاجة ملحة لتعزيز أدوات التحقق والوعي الرقمي لدى الجمهور.
وتؤكد خبيرة الإعلام الدكتورة مي عناتي أن انتشار الأخبار الزائفة لم يعد مرتبطًا فقط بضعف المهنية الإعلامية، بل بتغير كامل في بيئة إنتاج واستهلاك المعلومات، مشيرة إلى أن السرعة الهائلة في تداول المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي جعلت السبق في النشر يتقدم أحيانًا على التحقق من دقة المعلومات.
وأضافت أن خوارزميات المنصات الرقمية تسهم بشكل كبير في تضخيم هذه الظاهرة، إذ تمنح أولوية للمحتوى المثير والعاطفي الذي يحقق نسب تفاعل مرتفعة، بغض النظر عن صحته، ما يجعل الأخبار المضللة أكثر انتشارًا من الأخبار المهنية الدقيقة.
وأوضحت عناتي، انطلاقًا من خبرتها العملية في الـInternational Desk، أن الأزمات والحروب تمثل بيئة خصبة لإعادة تدوير الصور والفيديوهات القديمة وربطها بأحداث جديدة، لافتة إلى أن بعض المواد المضللة تنتشر عالميًا خلال دقائق، قبل أن تتمكن المؤسسات الإعلامية من التحقق منها.
كما أشارت إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي، رغم أهميتها، أصبحت تُستخدم أحيانًا لإنتاج محتوى مزيف شديد الإقناع، سواء عبر الفيديوهات المعدلة أو الأصوات أو الصور المفبركة، الأمر الذي يرفع مستوى التحدي أمام غرف الأخبار ويضاعف مسؤولية التحقق.
وبيّنت أن تأثير الأخبار المضللة لا يقتصر على فهم الجمهور للأحداث، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المزاج العام، من خلال خلق حالة من الارتباك وفقدان الثقة بالمؤسسات والإعلام وحتى بالمعلومات الموثوقة.
وأضافت أن الأخبار غير الدقيقة في القضايا السياسية أو الأمنية قد تؤدي إلى إثارة الهلع أو زيادة الاستقطاب المجتمعي، خاصة في ظل المتابعة المكثفة للملفات الإقليمية والدولية، حيث يمكن لمنشور مضلل واحد أن يؤثر على النقاش العام خلال ساعات.
ولفتت إلى أن التضليل الإعلامي ينعكس أيضًا على صناع القرار، باعتبار أن الرأي العام أصبح عنصرًا مؤثرًا في المعادلات السياسية والاقتصادية، مشيرة إلى أن إشاعات رقمية تسببت عالميًا بخسائر اقتصادية وأثرت على سمعة شركات ومؤسسات خلال وقت قصير.
وحول دور منصات التواصل الاجتماعي، أوضحت عناتي أنها تتحمل مسؤولية مزدوجة، إذ أسهمت من جهة في ديمقراطية الوصول إلى المعلومة ومنحت الجميع مساحة للتعبير، لكنها في المقابل أصبحت البيئة الأسرع لانتشار الأخبار الزائفة.
وأشارت إلى أن بعض المنصات بدأت باتخاذ خطوات للحد من التضليل، من خلال إضافة تنبيهات على المحتوى المشكوك فيه والتعاون مع مؤسسات التحقق، إلا أن هذه الجهود لا تزال غير كافية أمام التطور المتسارع لتقنيات التزييف الرقمي.
وأكدت أن الصحفي اليوم لم يعد دوره مقتصرًا على كتابة الخبر، بل أصبح مطالبًا بمراقبة المنصات الرقمية والتحقق المستمر من المحتوى المتداول، إضافة إلى تصحيح المعلومات المغلوطة بسرعة قبل أن تتحول إلى حقائق راسخة لدى الجمهور.
وفيما يتعلق بآليات المواجهة، شددت عناتي على أن العالم بات يتعامل مع التضليل الإعلامي باعتباره قضية أمن معلومات ومجتمعات، لا مجرد قضية صحفية، ما دفع المؤسسات الإعلامية إلى إنشاء وحدات متخصصة للتحقق من المعلومات واستخدام أدوات رقمية لفحص الصور والفيديوهات وتتبع مصادرها.
وأضافت أن التربية الإعلامية الرقمية تمثل أحد أهم الحلول طويلة الأمد، من خلال إدماجها في المدارس والجامعات، بما يسهم في بناء وعي نقدي لدى الأجيال الجديدة.
وختمت بالتأكيد أن تعزيز وعي الشباب يبدأ بتعليمهم التفكير النقدي وطرح الأسئلة الأساسية حول مصدر الخبر، ومدى وجوده في أكثر من منصة موثوقة، وصحة الصور المستخدمة فيه، مبينة أن الجمهور اليوم لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة، بل شريكًا رئيسيًا في نشرها، ما يضاعف مسؤوليته في التحقق قبل إعادة التداول.






