دولة محدودة الإمكانات تتحمل تبعات تصعيد أكبر منها. واليوم تعرض الأردن مجدداً لاعتداء صاروخي مباشر مصدره الأراضي الإيرانية، تعاملت معه منظومات سلاح الجو الملكي الأردني باعتراض وتدمير ثمانية عشر صاروخاً باليستياً من أصل عشرين أطلقت تجاه الأراضي الأردنية حسب بيان القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية فيما سقط صاروخان في مناطق خالية من التجمعات السكانية دون أن تسجل أي خسائر في الأرواح. قوة المنظومة الدفاعية للجيش العربي الأردني أثبتت كفائتها وجاهزيتها العالية مِراراً وتستحق التقدير، لكنه لا يغير حقيقة أساسية أن المملكة باتت تدفع ثمناً أمنياً واقتصادياً لمواجهة لم تشعلها ولم تختر توقيتها.
يبدو أن ما يحدث في ضوء التداعيات القائمة ليس ثمرة تنسيق خفي بين واشنطن وطهران وحسب، وإنما تقاطع حسابات مختلفة وتصعيد متبادل التغذية في مسرح الردع. الولايات المتحدة تريد أن تؤكد فاعلية منظومتها الأمنية في المنطقة، والنظام الإيراني يرى في التصعيد وسيلة لتعزيز تماسكه الداخلي وسط أزماته الاقتصادية المتراكمة. وفي الحالتين تقع الكلفة الأثقل على الدول التي تقف في موقع المضيف أو الجار المباشر، والأردن ليس استثناءً في هذا المشهد لكنه أيضاً ليس عاجزاً عن المناورة.
وسط هذا التشابك الإقليمي يبرز سؤال مشروع: هل الاستهداف الإيراني للأردن يحمل رسائل تتجاوز الوجود العسكري الأميركي في منشآته؟ عمّان لا تستضيف قواعد أميركية بل تعاوناً فنياً منظماً ضمن اتفاقية دفاعية مشتركة، لكن طهران تُصر على خلط الأوراق وتسميته قواعد في محاولة لتبرير اعتداءاتها. والحقيقة أن قراءة المشهد بروية تكشف أن إيران تختار الأردن ساحة لتصفية حساباتها مع واشنطن متجاهلة الفارق بين القاعدة والوجود التدريبي، واضعة المملكة في موقع المدافع عن سيادته أمام عدوان موجّه الغايات، فمن يصيب أهدافاً أبعد بدقة، لا يخطئ حدود الأردن مصادفة!
والقول أن إيران تستهدف المملكة عقاباً على علاقاتها مع الصين يفتقر إلى ما يسنده. الاستهداف مرتبط بوجود القوات الأمريكية أكثر مما هو مرتبط بأي خيار اقتصادي أردني، ومع ذلك يبقى تنويع الشراكات الاقتصادية مصلحة وطنية واضحة، وأن الانفتاح على الصين في مجالات الطاقة المتجددة وتطوير الفوسفات والبنية التحتية يمكن أن يوسع مصادر التمويل والاستثمار ويخفف من الاعتماد على مساعدات تتأثر بسرعة بتقلبات السياسة الخارجية.
وقد لا يقتصر تنويع الشراكات بالضرورة على المجال الاقتصادي بل يمتد بحذر إلى المجال الدفاعي وإن كان لكل مسار حساباته وحدوده المختلفة، حيث جاء لقاء رئيس الأركان اللواء الحراسيس بالأمس بمسؤولي نورينكو الصينية في خطوة قرأها المراقبون على أنها تنويع دفاعي أو ربما رسالة إلى واشنطن. لكن السؤال الأهم: هل يمكن لهذا التعاون أن يغير شيئاً في معادلة الضغط الأميركي؟ التاريخ يقول لا. فالأردن ومنذ 1996 مرتبط بمنظومة أميركية متكاملة من أسلحة وتدريب واستخبارات ودعم مالي، وهذه الحزمة لا تعوضها صفقة مع بكين. لكن الانزياح نحو الشرق رغم محدوديته يظل أداة تذكير لواشنطن بأن عمّان تملك هامشاً للمناورة مهما كان ضيقاً.
صبيحة الاثنين الماضي أضاف الجيش الإسرائيلي طبقة جديدة من التعقيد حين أجرى مناورة واسعة على امتداد وادي عربة ومحور إيلات الجنوبي الغربي. المناورة تحاكي سيناريوهات هجوم مباغت وتعكس قلقاً إسرائيلياً متزايداً بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023. بالنسبة لعمّان يعني ذلك مواجهة ثلاثة ضغوط في آن واحد: التصعيد بين إيران وأمريكا، والالتزامات المرتبطة بوجود القوات الأمريكية، والتحركات الإسرائيلية القريبة من الحدود.
العقدة الجوهرية متعلقة بطبيعة التحالفات حين توضع على المحك. العلاقة الأمريكية مع إسرائيل متجذرة بعمق في بنية النظام السياسي في البيت الأبيض، بينما تُدار العلاقة مع الأردن في الغالب عبر القنوات التنفيذية. هذا الواقع لا ينقص من قيمة الشراكة لكنه يفرض وعياً دائماً بأن المصلحة الوطنية الأردنية يجب أن تبقى المعيار الأول في كل حساب.
الدولة الأردنية لا تختار حروبها، لكنها تمتلك بموقعها الجيوسياسي ثلاث أوراق نادرة: شريك أمني لا غنى عنه لواشنطن وجار ضروري لإسرائيل، وبوابة تجارية واعدة لبكين. إلا أن السؤال الأشد إلحاحاً اليوم: ليس كيف تدير الدولة هذه الأوراق، بل كيف يمكن ترجمة هذه الأوراق إلى مكاسب ملموسة؟ المطلوب عملياً ليس خطاباً توازنياً بل سياسة واضحة تطالب بتعويض مادي عن كل صاروخ تعترضه الدفاعات الأردنية. ومع نجاح منظومات الدفاع الجوي الأردنية تبقى تداعيات إغلاق المجال الجوي على حركة الطيران المدني خسارة إضافية تستحق الحصر خاصة مع تحويل مسار الرحلات الجوية بين الشرق والغرب. فهذه ليست التزامات أحادية تتحملها المملكة منفردة وإنما كلفة يفرضها موقعها الجيوسياسي على مواجهةٍ لا صلة لها بحساباتها، ومن هنا فإن المطالبة بتشكيل لجنة فنية مشتركة أردنية أميركية لحصر التكاليف المباشرة وغير المباشرة لكل اعتداء وتقديم تقارير دورية للكونغرس، هي الإطار العملي الأكثر فعالية لتحويل هذه الخسائر إلى بنود تفاوضية ملزمة بدلاً من تركها في خانة المساعدات الطارئة التي تُمنح وفقاً لمزاجٍ سياسي متقلب، وكذلك فإن التنسيق مع عواصم عربية تواجه تحديات مشابهة كالإمارات والسعودية قد يشكّل ضغطاً جماعياً على واشنطن لإعادة حساب كلفة تصعيداتها الإقليمية. وتُظهر التجارب السياسية عبر التاريخ أن الدول لا تحوّل أضعف أوراقها إلى أدوات تفاوضية مؤثرة لأنها الأقوى وإنما لأنها الأوعى بحجم ما تقدّم وما تستحق.








