الحديد: التبليغ الإلكتروني لا يكفي إثبات إرساله
الحديد: المحكمة قد تفقد جزءا من قدرتها على ملاحظة الشاهد عن بُعد
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
قالت الخبيرة القانونية الدكتورة نور الحديد إن جوهر التعديل على نظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية لا يتمثل في مجرد استبدال المستندات الورقية بنسخ إلكترونية، وإنما في جعل البيئة الرقمية جزءا من العملية القضائية.
وأضافت الحديد، في حديثها لـ”صدى الشعب”، أن التنظيم السابق اقتصر على إتاحة استخدام الوسائل الإلكترونية في بعض الإجراءات، فيما يتجه النظام المعدل إلى جعل البيئة الرقمية جزءا من العملية القضائية من خلال اعتماد الهوية الرقمية والبريد الرقمي، وتوسيع نطاق التبليغ الإلكتروني، وربط الأنظمة القضائية بقواعد البيانات ذات الصلة.
وأشارت إلى تطبيق هذه الوسائل من خلال توجيه الإنذارات العدلية بواسطة تطبيق “سند” وتحديث التواقيع، إلى جانب تعزيز الحجية القانونية للمحررات والبيانات والسجلات الإلكترونية.
وبينت أن التقنية لم تعد مجرد وسيلة مساعدة للإجراء القضائي، وإنما أصبحت إطارا متكاملا لإدارة الدعوى وإثبات إجراءاتها وحفظها ومباشرتها، بما قد ينعكس على سرعة الإجراءات وكفاءة إدارة القضايا وتقليل أعباء النقل والحضور.
وأكدت أن التحدي الأساسي يبقى في ضمان ألا يأتي هذا التحول التقني على حساب حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
التقاضي عن بُعد ممارسة قائمة منذ 2019
وأكدت الحديد أن التوسع في المحاكمات عن بُعد ليس فكرة جديدة جاءت مع تعديل عام 2026، وإنما ممارسة قضائية قائمة فعليا منذ عام 2019.
وأشارت إلى أنه عقدت نحو 138,612 جلسة محاكمة عن بُعد عام 2024، ونحو 127,384 جلسة عام 2025، فيما أعلنت وزارة العدل في مرحلة سابقة أنه ومنذ إطلاق مشروع المحاكمات عن بُعد تم عقد نحو 42 ألف جلسة شملت 23 محكمة و17 مركز إصلاح وتأهيل.
ولفتت إلى ارتفاع عدد الجلسات مع مراكز الإصلاح والتأهيل من 1,119 جلسة عام 2019 إلى 133,581 جلسة عام 2023، معتبرة أن حجم التحول من الحضور المادي للموقوف أمام المحكمة إلى المشاركة القضائية عبر الاتصال المرئي يطرح السؤال الأهم حول مدى إمكانية التوسع فيه دون التأثير على حق الدفاع والمواجهة وعلانية المحاكمة وسلامة إجراءات الإثبات.
وأوضحت أن النظام السابق رقم (95) لسنة 2018 كان يسمح أصلا بتسجيل الدعاوى والطلبات ودفع الرسوم والتبليغات القضائية وتبادل اللوائح، إلا أنه كانت هناك ازدواجية بين المعاملات الورقية والمعاملات الإلكترونية في ذلك الوقت.
وقالت الحديد إن دورة الدعوى ستتغير أساسا من الناحية العملية، وإن الرقمنة تعالج التأخير الناتج عن الإجراءات، لكنها لا تعالج وحدها طبيعة النزاع أو طبيعة بنية العمل القضائي.
وأكدت أنه من الخطأ افتراض أن التحول إلى التقاضي الإلكتروني سيؤدي بمجرد تطبيقه إلى إنهاء مشكلة بطء التقاضي أو اختصار مدة الدعوى، موضحة أن التقنية، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكن أن تعالج جميع الأسباب التي تقف وراء إطالة أمد النزاع القضائي.
وبينت أن التقنية تختصر الزمن الإداري والإجرائي من خلال تسريع تقديم الطلبات واللوائح وتبادل اللوائح والتبليغات والمذكرات والمستندات.
وأضافت أن مدة التقاضي لا تتحدد فقط بالوقت الذي تستغرقه المعاملة داخل المحكمة، وإنما تتأثر بطبيعة الدعوى ووسائل إثباتها وعدد أطرافها والإجراءات اللازمة للفصل فيها.
وأشارت إلى أن الدعوى قد تتطلب إجراء خبرة فنية، أو سماع عدد من الشهود، أو مخاطبة جهات رسمية للحصول على بيانات أو مستندات، أو إجراء معاينة، أو مناقشة أدلة متعددة، أو التعامل مع دفوع وطلبات متفرعة، فضلا عن إجراءات الخبرة الفنية والانتقال إلى موقع عقار مثلا، واحتمالية انتقال النزاع إلى مراحل الطعن.
وأكدت أن هذه الإجراءات تفرض وقتا لا يمكن للتقنية وحدها اختصاره.
عندما تتحول التقنية إلى شرط لممارسة الحق
وحذرت الحديد من خطر تحول التقنية من وسيلة إلى شرط لممارسة الحق، إذا أصبح الوصول إلى المحكمة أو تقديم الطلبات أو استلام التبليغات مرتبطا بالكامل بالبيئة الرقمية.
وقالت إن أي عجز تقني أو ضعف في المهارات الرقمية قد يتحول عمليا إلى عائق أمام التقاضي، ما يستدعي الانتباه إلى الفجوة بين النص والتطبيق.
وأضافت أن التنظيم القانوني قد يكون متقدما، لكن إذا كانت البنية التحتية أو تدريب القضاة والموظفين والمحامين غير كاف، فقد تظهر ممارسة غير متجانسة من محكمة إلى أخرى.
وأكدت أن السؤال لا يتعلق فقط بوجود النص القانوني، وإنما بمدى قدرة البيئة العملية على تطبيقه بصورة متسقة.
وقالت الحديد إن الإشكالية تظهر بصورة واضحة عند عقد الجلسات عن بُعد، إذ قد تصعب عملية إثبات ما يحدث أثناء الجلسة، مثل انقطاع الصوت أو الصورة، أو عدم سماع جزء من أقوال الخصم أو الشاهد، أو وجود شخص آخر يؤثر على المتحدث خارج نطاق الكاميرا.
وأوضحت أن المشكلة ليست تقنية فقط، وإنما قد تؤثر في قيمة الإجراء نفسه.
وفيما يتعلق بسماع الشهود عن بُعد، قالت إن المحكمة قد تفقد جزءا من قدرتها على ملاحظة طريقة إجابتهم وتفاعلهم وظروف أدائهم للشهادة.
وأضافت أن الأمر لا يقتصر على جودة الصوت والصورة، وإنما يمتد إلى التحقق من هوية الشاهد وحريته وعدم تعرضه لتلقين أو تأثير خارجي.
وأكدت أن سلامة الجلسة الإلكترونية تتطلب إجراءات تقنية وتنظيمية تضمن تحقيق مواجهة فعلية وليست شكلية، وتعوض قدر الإمكان غياب السيطرة المباشرة على بيئة الشهادة.
وبينت أن حضور الشاهد أمام القاضي والمحامي لا يتعلق فقط بسماع الكلمات وسلامتها، وإنما بإمكانية ملاحظة طريقة الإجابة والتردد والانفعال والتفاعل مع الأسئلة.
سرية التواصل بين المحامي وموكله
وشددت الحديد على أهمية سرية التواصل بين المحامي وموكله في الجلسات عن بُعد، خصوصا بالنسبة للموقوفين.
وقالت إنه يجب أن يكون هناك مجال فعلي لتواصل المحامي مع موكله بسرية، وليس مجرد اتصال مرئي ومسموع أمام موظفين أو أشخاص آخرين.
وأشارت إلى أن أريحية التعامل مع الوقوف بجانب المحامي تتعلق بثبات الشاهد أو الموقوف.
وفيما يتعلق بالتبليغ الإلكتروني، قالت الحديد إن له جانبا قانونيا آخر، لأن التبليغ قد يبدأ مواعيد قانونية أو يرتب آثارا إجرائية.
وأضافت أنه لا يكفي إثبات إرسال التبليغ، وإنما يجب تحديد كيفية إثبات تحققه قانونا، ومعالجة الحالات التي تمنع فيها الأعطال التقنية الشخص من الوصول إلى التبليغ أو حسابه الرقمي.
وأكدت ضرورة التمييز بين مجرد إرسال التبليغ وبين إثبات تحققه قانونا.
سلامة السجلات الإلكترونية
وأشارت الحديد إلى أن تعزيز الحجية القانونية للمحررات والبيانات والسجلات الإلكترونية يطرح مسألة التحقق من سلامتها.
وقالت إنه إذا أصبحت السجلات والملفات الإلكترونية أساسا لإثبات الإجراءات، فإن السؤال يتمثل في: من يستطيع تعديلها؟ وهل يوجد سجل يوضح من دخل عليها ومتى؟ وكيف يمكن اكتشاف أي تغيير أو إضافة؟
وأكدت أن من الضروري تحديد آليات إثبات سلامة الملف والسجل الإلكتروني، خصوصا مع زيادة الاعتماد على النظام الإلكتروني في حفظ إجراءات الدعوى.
وقالت الحديد إن الملف القضائي قد يحتوي على معلومات شخصية ومالية وأسرية وطبية أو جنائية، وبالتالي فإن اختراق النظام القضائي لا يمثل مجرد مشكلة تقنية، وإنما قد يمس حقوق الأفراد وسمعتهم ومراكزهم القانونية.
وأضافت أن التساؤل المطروح يتعلق بمدى كفاية حماية البيانات من الهجمات السيبرانية.
وأوضحت أن قانون حماية البيانات يحمي خصوصية المتقاضي، في حين أن التقاضي الإلكتروني يحتاج إلى جمع بيانات المتقاضي وحفظها وتبادلها، بينما يفرض قانون حماية البيانات قيودا وضمانات على هذه العمليات.
وتساءلت عما إذا كانت الرقمنة التي يفترض أن تسهّل وصول الشخص إلى العدالة يمكن أن تتحول إلى وسيلة لجمع معلومات عنه أكثر مما كان يجمع في النظام الورقي.
وبينت أن المحكمة أصبحت تجمع “بصمة رقمية” للمتقاضي من هويته وبياناته ومستنداته وتبليغاته، وربما سجلات مرتبطة بالدعوى.
وأكدت أن المشكلة لا تتمثل فقط في معرفة من يملك البيانات، وإنما في تحديد من يستطيع الوصول إليها داخل المنظومة القضائية، وما حدود استخدام البيانات.
وأضافت أن حفظ البيانات قد يتحول إلى خطر بحد ذاته، إذ كلما طال الاحتفاظ بالبيانات زادت أهمية تأمينها وتحديد الغرض من استخدامها.
ولفتت الحديد إلى أن الخطأ الرقمي قد يكون أخطر من الخطأ الورقي، لأن تسريب ملف قضائي إلكتروني قد يسمح بنسخه وتداوله على نطاق واسع، بينما كان الوصول إلى الملف الورقي أكثر ارتباطا بمكان وجوده.
وقالت إن التحدي الحقيقي في التقاضي الإلكتروني ليس أن تصبح العدالة أسرع، وإنما ضمان ألا تصبح العدالة أكثر معرفة بالمتقاضي مما تحتاجه للفصل في دعواه.
وتساءلت عن الحد الفاصل بين البيانات اللازمة لتحقيق العدالة والبيانات التي لا يجوز جمعها أو الاحتفاظ بها إلا للضرورة.
حق الاطلاع لا يعني حق إعادة تداول البيانات
وأكدت الحديد أن ملف الدعوى لا يحتوي فقط على بيانات الشخص الذي يطلبه، وإنما قد يحتوي على بيانات أشخاص آخرين لا علاقة لهم مباشرة بحق الاطلاع أو لا تشملهم الوكالة، مثل أرقام الهواتف والعناوين والتقارير الطبية والبيانات المالية والمراسلات وبيانات الشهود أو الأطراف.
وقالت إن الحصول المشروع على ملف الدعوى لا يعني بالضرورة مشروعية إعادة تداوله، إذ إن حق الاطلاع الذي تقتضيه ممارسة حق الدفاع قد لا يمتد إلى حق نشر البيانات الشخصية الواردة في الملف.
وأضافت أنه يصبح من الضروري تحديد وإثبات سلامة الملف، لأن ملف الدعوى قد يحمل أسماء أطراف وبياناتهم وعناوينهم وأرقامهم، وأسماء أشخاص لم يطلبوا أو لم يكونوا طرفا في الدعوى.
وأشارت الحديد إلى أن هناك، عدا عن مشكلة الملف المفقود الذي قد ينتقل من الورق إلى النظام، خطرا آخر يتمثل في أنه كلما زادت مركزية النظام الإلكتروني زادت خطورة تعطله.
وأكدت أن الخطر ليس في التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما في انتقال المسؤولية إليها، متسائلة: من يتحمل مسؤولية الخطأ التقني عندما يؤدي الخطأ التقني إلى المساس بحق من حقوق التقاضي؟
وأكدت أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن تصبح العدالة إلكترونية، وإنما في أن تصبح إلكترونية دون أن تكون الضمانات القانونية التي كانت تحيط بالإجراء الورقي قابلة للتحقق بالدرجة نفسها في البيئة الرقمية.





