صدى الشعب – كتب رئيس التحرير خالد خازر الخريشا
في بلادٍ يبدو فيها المنطق أحياناً كضيفٍ ثقيل، يخرج علينا من اعتادوا موائد الامتلاء، ليحدثونا بثقةٍ لا تهتز عن “فضيلة التقشف” يطلبون من الناس شدّ الأحزمة، بينما أحزمتهم نفسها لم تعد تُغلق من فرط ما تحمله من امتيازات والمشهد لا يحتاج إلى كثير من التحليل؛ كروشٌ تتقدم الصفوف، وجيوبٌ لا تعرف الفراغ، وأصواتٌ تتفنن في إعطاء دروسٍ عن الصبر والتحمّل وكأن الفقر تجربةٌ نظرية تُدرّس في قاعات مكيفة، لا واقعاً يعيشه الناس كل يوم .
يحدثونك عن ترشيد الاستهلاك، وهم لم يجرّبوا يوماً ترشيد “الرفاه” وينصحونك بتقليل المصاريف، بينما بنود إنفاقهم لا تعرف كلمة “تقليل” يطالبونك بالاكتفاء، وهم لا يكتفون إلا بالمزيد، إنها مفارقة تُضحك … لكنها ضحكة بطعم المرارة .
الأدهى من ذلك أن خطاب التقشف يُقدَّم أحياناً وكأنه بطولة، وكأن المواطن الذي بالكاد يُدبّر قوت يومه ، مطالبٌ أن يتحول إلى بطلٍ في معركةٍ لم يخترها أصلاً يُطلب منه أن يصبر، أن يتحمّل، أن يتفهم الظروف، بينما الظروف نفسها لا تقترب من دوائر القرار، ولا تجرؤ على طرق أبواب الامتيازات والسفرات.
ليس التقشف عيباً إذا كان خياراً جماعياً عادلاً، يبدأ من الأعلى قبل أن يصل إلى الأدنى أما أن يتحول إلى نصيحةٍ من بطونٍ ممتلئة إلى بطونٍ خاوية، فهنا تصبح المسألة أقرب إلى سخريةٍ سوداء، لا إلى سياسةٍ اقتصادية.
فالناس لا ترفض التقشف لأنها ترفُض الانضباط ، بل لأنها سئمت من معادلةٍ مختلة: شدّ الأحزمة للفقراء، وتوسيعها للأغنياء لا ترفض النصيحة، بل ترفض الازدواجية تريد عدالةً تُرى، لا خطباً تُلقى من المتكرشين والممتلئة جيوبهم وفي النهاية، ربما المشكلة ليست في التقشف نفسه، بل في من يروّج له فالنصيحة التي تخرج من جيبٍ ممتلئ، تمرّ أولاً على كرشٍ منتفخ قبل أن تصل إلى عقل المواطن، إن وصلت أصلاً .
شدّ الأحزمة… على من؟ في كل أزمة اقتصادية، يعود الشعار ذاته : شدّ الأحزمة لكن السؤال البديهي الذي يتجاهله كثيرون : على من يُطلب ذلك؟ لسنوات، توسّع الإنفاق في جوانب لا تمسّ حياة المواطن مباشرة ، وبرزت مظاهر ترف وامتيازات لا تنسجم مع واقع اقتصادي صعب ، واليوم حين اشتدّ الضغط، يُطلب من المواطن البسيط أن يتحمّل الكلفة، وكأن الخيارات المتاحة لم تكن موجودة من قبل.
الموظف محدود الدخل صاحب الراتب اليتيم، والمتقاعد راتبة مسحوق من كثرة القروض والديون، والشاب الذي إشتعل رأسه شيباً وهو لم يجد فرصة عمل كريمة … جميعهم أصلاً تقطعت خواصرهم من كثرة الشد ويعيشون حالة “تقشف قسري” فماذا تبقّى ليُشدّ؟ والتقشف الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن، بل من وقف الهدر، ومراجعة الأولويات، وتقليص الامتيازات غير المبررة عندها فقط ، يصبح الحديث عن شدّ الأحزمة منطقيًا ومقبولًا أما أن تُترك البطون المنتفخة ، ويُطلب من البطون الخاوية المزيد من الصبر، فهذه ليست سياسة إصلاح بل خلل في ميزان العدالة.
المفارقة المؤلمة أن هذا الشعار لا يُوجَّه يومًا نحو الجهات التي امتلأت بطونها من وفرة الامتيازات، ولا نحو جيوب تضخمت من الرواتب الفلكية والمكافآت التي لا تخضع لمنطق ولا لعدالة ، هناك لا أحد يتحدث عن شدّ الأحزمة، بل تُفصَّل الأحزمة على مقاس الرفاه والتقشف، كما يُقدَّم لنا، يبدو وكأنه عقوبة جماعية للفقراء، لا سياسة إصلاحية عادلة .
شدّ الأحزمة يجب أن يبدأ من الأعلى، من مواقع القرار، من الامتيازات، من الهدر الذي لا يراه المواطن إلا في الأخبار أما أن يُطلب من الجائع أن يقتصد في الجوع، فهذه ليست سياسة ، بل مفارقة قاسية وفي النهاية الشعوب لا ترفض التقشف إذا كان عادلًا، لكنها ترفض أن تكون وحدها من يدفع الثمن لأن البطون الخاوية لا تُشدّ… بل تُطعَم.
استوقفتني مؤخراً دعوة وزير سابق في احدى المنتديات للأردنيين إلى مواجهة التحديات التي يدخلها الأردن بسبب الأزمة في المنطقة بالتقشف وقال ، إن الكثير من إنفاق الأردنيين ليس ضروريا ويعتبر من الرفاهية، مثل الانفاق على التدخين والهواتف النقالة، إضافة إلى الهدر في الوقود الناتج عن استخدام المركبات بشكل فردي، ولم يبقى من الوزير إلإ ان يطلب من الاردنيين تطبيق صوم النبي داوود عليه السلام متناسياً أن النمط الخليجي في البذخ استمر في سلوكيات الحكومات و مازال يُطلب من الأردنيين شد الأحزمة وكيف يُطلب من الأردنيين شد الأحزمة و هم لم يعرفوا يوماً كيف يكون شعور ارخائها !! ألا يعلم الوزير الذي كان عابراً للحكومات أن الحكومات شدت على بطون الناس حتى قطعت خواصرهم .
وإذا أرادت الحكومة أن يضع المواطنون الأحزمة على البطون، عليها أن تضع الأحزمة على الأمور في كل ممارساتها، حتى تكون قدوة لغيرها ، لأنه من غير المنطق الحكومة تطلب شد الحزام … وحزامها منفلت في البذخ والتبذير .






