صدى الشعب-أسيل جمال الطراونة
لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت لدى بعض الأطفال واليافعين إلى سلوك قهري ينعكس سلباً على الصحة النفسية والأداء الدراسي والعلاقات الاجتماعية، في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي فرض تحديات جديدة أمام الأسر والمختصين. ويؤكد خبراء في علم النفس أن اضطراب ألعاب الفيديو أصبح من الاضطرابات السلوكية التي تستدعي التقييم والعلاج وفق أسس علمية، بعد أن حظي باعتراف المؤسسات الطبية العالمية.
وقال اختصاصي علم النفس الإكلينيكي الدكتور حذيفة أحمد الرحاحلة إن اضطراب ألعاب الفيديو يتمثل في فقدان القدرة على التحكم في سلوك اللعب وإعطائه أولوية على مختلف الأنشطة اليومية، مع الاستمرار فيه رغم إدراك آثاره السلبية على الحياة الشخصية والأسرية والدراسية. وأوضح أن منظمة الصحة العالمية أدرجت هذا الاضطراب ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، فيما أدرجته الجمعية الأمريكية للطب النفسي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR) كحالة تستدعي مزيداً من الدراسة والتقييم.
وأضاف الرحاحلة أن الدراسات تشير إلى أن الإفراط في ممارسة الألعاب الإلكترونية يؤدي إلى تحفيز نظام المكافأة في الدماغ بصورة متكررة، ما يرفع إفراز الدوبامين ويؤدي مع الوقت إلى انخفاض استجابة الدماغ للمكافآت الطبيعية، وهو ما يجعل بعض الأشخاص يبحثون عن فترات لعب أطول للحصول على الشعور نفسه بالمتعة، في نمط يشبه الآليات العصبية المرتبطة بالإدمان.
وأشار إلى أن من أبرز العلامات التي تستوجب الانتباه فقدان السيطرة على مدة اللعب، والانشغال المستمر بالتفكير في الألعاب، والشعور بالغضب أو القلق عند التوقف عنها، إضافة إلى زيادة ساعات اللعب تدريجياً وإهمال الدراسة أو العمل والعلاقات الاجتماعية، والاستمرار في اللعب رغم ما يسببه من مشكلات واضحة.
وأكد الرحاحلة أن اضطراب ألعاب الفيديو لا يظهر غالباً بمعزل عن اضطرابات نفسية أخرى، إذ يرتبط في كثير من الحالات بالقلق والاكتئاب واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لافتاً إلى أن بعض الأطفال واليافعين يستخدمون الألعاب كوسيلة للهروب من الضغوط النفسية أو من المشاعر السلبية، الأمر الذي يعزز العزلة الاجتماعية ويزيد من تراجع تقدير الذات ويعمق المشكلات النفسية.
وبيّن أن الإفراط في اللعب ينعكس أيضاً على الأداء التنفيذي للدماغ، فيؤثر في الانتباه والذاكرة والتخطيط، كما يؤدي إلى اضطرابات النوم وانخفاض التحصيل الدراسي أو الإنتاجية في العمل، فضلاً عن تراجع العلاقات الاجتماعية وازدياد الخلافات داخل الأسرة.
وفيما يتعلق بالعلاج، شدد الرحاحلة على أن المنع الكامل أو مصادرة الأجهزة الإلكترونية لا يشكلان حلاً فعالاً، بل قد يؤديان إلى نتائج عكسية، مؤكداً أن العلاج يعتمد على برامج متكاملة تشمل العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج الأسري، وتنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية، إلى جانب تدريب الوالدين على وضع حدود واضحة لاستخدام الأجهزة وتنظيم البيئة المنزلية، مع تشجيع الأطفال واليافعين على ممارسة الرياضة والهوايات والأنشطة الاجتماعية التي تعزز مصادر المتعة الطبيعية.
من جانبها، قالت أخصائية الاستشارات النفسية والأسرية والتربوية زينب الذيب إن إدمان الألعاب الإلكترونية هو اضطراب سلوكي يتمثل في فقدان السيطرة على اللعب والاستمرار فيه رغم تأثيراته السلبية على الحياة اليومية. وأوضحت أن من أبرز علاماته قضاء ساعات طويلة أمام الألعاب، وصعوبة التوقف عنها، وإهمال المسؤوليات الدراسية أو المهنية، إضافة إلى التوتر والانفعال عند منع اللعب.
وأضافت الذيب أن الإفراط في استخدام الألعاب الإلكترونية قد يرتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، إذ يلجأ بعض الأشخاص إليها كوسيلة للهروب من الضغوط النفسية، مما يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلاً من حلها. وأكدت أن الوقاية تبدأ بتنظيم وقت اللعب، وتشجيع ممارسة الرياضة والهوايات، وتعزيز التواصل الأسري، بينما تستدعي الحالات التي تؤثر في الحياة اليومية مراجعة مختص نفسي، حيث يعد العلاج المعرفي السلوكي من أكثر الأساليب العلاجية فعالية في التعامل مع هذا الاضطراب.
ويجمع المختصون على أن مواجهة اضطراب ألعاب الفيديو تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمختصين، وبناء بيئة متوازنة تساعد الأطفال واليافعين على استخدام التكنولوجيا بصورة صحية، بعيداً عن الإفراط الذي قد يحول الترفيه إلى مشكلة نفسية وسلوكية تؤثر في مختلف جوانب الحياة.











