صدى الشعب - أسيل جمال الطراونة
أكدت الدكتورة ربا أسامة سعيسعة، أستاذ مشارك في إدارة المواقع التراثية والحفاظ عليها، ورئيس قسم إدارة المصادر التراثية وصيانتها في كلية الآثار والسياحة بالجامعة الأردنية، أن التراث الأردني لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد بقايا مادية من الماضي أو سجلاً للحضارات المتعاقبة، بل أصبح رأس مال ثقافياً واستراتيجياً يشكل أحد أهم مقومات التنمية المستدامة، وعنصراً رئيسياً في تعزيز الهوية الوطنية ودعم تنافسية الأردن على خارطة السياحة العالمية.
وأوضحت سعيسعة أن الأردن يمتلك إرثاً حضارياً استثنائياً يمتد عبر آلاف السنين، يجمع بين التراث الثقافي والطبيعي ضمن منظومة متكاملة تعكس العلاقة المستمرة بين الإنسان والمكان، وهو ما يمنحه قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز الحدود الوطنية.
وأضافت أن الفكر الحديث في إدارة التراث لم يعد يقيس أهمية المواقع الأثرية أو الطبيعية بعمرها الزمني أو جمالها المعماري فقط، وإنما بما تحمله من قيمة تراثية، وقدرتها على الحفاظ على الأصالة والسلامة، وهما من المبادئ الأساسية التي تعتمدها اتفاقية حماية التراث العالمي لعام 1972 في تقييم المواقع ذات القيمة العالمية الاستثنائية.
وبينت أن القيمة الحقيقية للموقع تكمن في قدرته على نقل قصة المكان، وإبراز هويته، وتعزيز العلاقة بين المجتمع وذاكرته الثقافية، بما يجعل التراث عنصراً حياً في تشكيل الهوية الوطنية، وليس مجرد شواهد تاريخية صامتة.
وأشارت إلى أن إدارة التراث لم تعد تقتصر على حماية المباني الأثرية، بل أصبحت تعتمد على مفهوم “الإدارة القائمة على القيمة”، الذي يجعل من القيمة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للموقع محوراً لجميع قرارات الحماية والإدارة والتخطيط.
وأضافت أن هذا النهج يتوافق مع توصية اليونسكو بشأن المشهد الحضري التاريخي لعام 2011، والتي تدعو إلى النظر إلى التراث باعتباره منظومة متكاملة تضم البيئة الطبيعية، والنسيج العمراني، والأنشطة الاقتصادية، والمجتمع المحلي، والهوية الثقافية، بما يحقق التوازن بين الحماية والتنمية.
وأكدت سعيسعة أن التراث أصبح اليوم أحد أهم محركات الاقتصاد الإبداعي واقتصاد التجربة، حيث لم يعد المنتج السياحي يعتمد فقط على زيارة الموقع الأثري، بل على تصميم تجربة ثقافية متكاملة يعيش خلالها الزائر قصة المكان ويتفاعل مع مكوناته التاريخية والثقافية والبيئية.
وأوضحت أن القيمة الاقتصادية للتراث لا تتحقق من خلال زيادة أعداد الزوار فقط، وإنما عبر تحسين جودة التجربة السياحية، وإطالة مدة إقامة السائح، وزيادة متوسط إنفاقه، وتحفيز الصناعات الثقافية والحرف التقليدية وريادة الأعمال، بما يعزز التنمية الاقتصادية للمجتمعات المحلية.
وأضافت أن مفهوم المنتج السياحي أصبح أكثر شمولاً، إذ يشمل السرد الثقافي، والهوية البصرية، والخدمات، والبنية التحتية، والمجتمع المحلي، والحرف التقليدية، والمشهد الطبيعي، إلى جانب التقنيات الرقمية التي تثري تجربة الزائر.
وأكدت أن قطاع التراث والسياحة يشهد تحولاً رقمياً غير مسبوق، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتوأم الرقمي، والواقع المعزز، والواقع الافتراضي، والواقع الممتد، ونظم المعلومات الجغرافية، وتحليل البيانات الضخمة، في إدارة المواقع التراثية وتطوير المنتج السياحي.
وأوضحت أن التوأم الرقمي لا يقتصر على إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للموقع، بل يمثل نسخة رقمية ديناميكية يتم تحديثها باستمرار اعتماداً على البيانات الحقيقية، بما يتيح رصد حالة الموقع، والتنبؤ بالمخاطر، ودعم الصيانة الوقائية، إلى جانب تصميم تجارب تفاعلية غامرة تعيد إحياء المراحل التاريخية للموقع.
وأضافت أن هذه التقنيات تحول السائح من متلقٍ سلبي للمعلومة إلى مشارك نشط في التجربة التراثية، حيث يستطيع استكشاف الطبقات التاريخية للموقع، ومشاهدة العناصر المندثرة، وفهم أنماط الحياة التي شهدها المكان عبر العصور من خلال تطبيقات ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمثل انتقالاً من السياحة التقليدية إلى السياحة الذكية القائمة على الابتكار والتفاعل وإنتاج المعرفة دون المساس بأصالة الموقع.
وأشارت إلى أن هذا التوجه يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030، التي تؤكد أن التراث الثقافي والطبيعي يمثل محركاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وأن الاستثمار فيه يسهم في خلق فرص العمل، ودعم الابتكار، وتحسين جودة الحياة.
وأضافت أن حماية التراث لم تعد إنفاقاً على الماضي، بل استثماراً طويل الأمد في الاقتصاد الوطني ورأس المال الثقافي للدولة.
ولفتت إلى أن إدراج محمية العقبة البحرية على قائمة التراث العالمي لليونسكو يمثل إنجازاً وطنياً يعكس الاعتراف الدولي بالقيمة العالمية الاستثنائية للتراث الطبيعي الأردني، ويؤكد امتلاك المملكة نموذجاً يجمع بين التراث الثقافي والطبيعي ضمن رؤية متكاملة للتنمية المستدامة.
وأضافت أن هذا الإنجاز يفتح آفاقاً واسعة لتطوير منتجات سياحية مبتكرة تعتمد على البيئة البحرية والتنوع الحيوي والتقنيات الرقمية والبحث العلمي، بما يعزز مكانة الأردن كوجهة رائدة في السياحة الثقافية والبيئية الذكية.
وأكدت أن مستقبل السياحة الأردنية لن يعتمد فقط على امتلاك مواقع أثرية متميزة، وإنما على القدرة على إدارة قيمتها والمحافظة على أصالتها، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لإعادة تقديمها للعالم بصورة تفاعلية ومستدامة.
وفيما يتعلق بأبرز التحديات، أوضحت سعيسعة أن الأردن، رغم ما يمتلكه من تنوع استثنائي في موارده التراثية والثقافية والطبيعية، يواجه تحديات متزايدة تتعلق بقدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين حماية القيمة التراثية وتحقيق التنمية السياحية المستدامة.
وأشارت إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في إدارة قيمة المواقع وضمان استدامتها باعتبارها مورداً ثقافياً واقتصادياً للأجيال القادمة.
وأضافت أن اتفاقية حماية التراث العالمي ومواثيق المجلس الدولي للمعالم والمواقع تؤكد أن نجاح إدارة المواقع التراثية يقاس بالحفاظ على الأصالة والسلامة، وأن أي تدخلات عمرانية غير مدروسة أو ضغوط سياحية أو تدهور بيئي قد تؤثر مباشرة في هذه القيم.
وأكدت أن التغيرات المناخية أصبحت تشكل خطراً متزايداً على المواقع التراثية بسبب ارتفاع درجات الحرارة والسيول المفاجئة والتعرية وتغير نسب الرطوبة، ما يستدعي تبني استراتيجيات حديثة لإدارة المخاطر تعتمد على الرصد المستمر والنمذجة الرقمية والتخطيط الاستباقي.
كما أشارت إلى أهمية إدارة الحركة السياحية بما يتناسب مع الطاقة الاستيعابية للمواقع، مؤكدة أن نجاح القطاع السياحي لا يقاس بعدد الزوار فقط، وإنما بقدرة الموقع على استيعابهم دون الإضرار بموارده الثقافية أو البيئية، مع الحفاظ على جودة تجربة الزائر.
وأوضحت أن الحفاظ على قصة المكان لا يقل أهمية عن الحفاظ على عناصره المادية، لأن الموقع التراثي يمثل منظومة متكاملة من القيم التاريخية والاجتماعية والرمزية، وإذا فقد روايته الثقافية فإنه يفقد جزءاً كبيراً من جاذبيته مهما بلغت أهميته الأثرية.
وأضافت أن تفسير التراث أصبح أحد أهم عناصر إدارة المواقع، لأنه يحول الزيارة إلى تجربة معرفية وإنسانية متكاملة.
وأكدت أن الأردن بحاجة إلى تسريع التحول الرقمي في إدارة التراث من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي، والتوأم الرقمي، وإنترنت الأشياء، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات الاستشعار عن بعد، وتحليل البيانات الضخمة، لبناء منظومة ذكية قادرة على مراقبة المواقع والتنبؤ بالمخاطر وإدارة الصيانة الوقائية.
وأوضحت أن التوأم الرقمي يمثل نقلة نوعية، لأنه يتيح محاكاة السيناريوهات المستقبلية المتعلقة بالتغير المناخي وحركة الزوار والتدخلات العمرانية، بما يعزز كفاءة الإدارة ويقلل المخاطر.
كما شددت على أهمية تعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية والجامعات ومراكز البحث العلمي والمجتمعات المحلية، والاستثمار في بناء القدرات الوطنية وإعداد كوادر متخصصة في إدارة التراث الرقمي.
وأكدت أن إدراج محمية العقبة البحرية على قائمة التراث العالمي يفرض مسؤولية إضافية للحفاظ على قيمتها العالمية من خلال تطبيق أفضل الممارسات الدولية في الإدارة المستدامة وتوظيف التكنولوجيا في رصد النظم البيئية وإدارة الأنشطة السياحية.
واختتمت هذا المحور بالتأكيد أن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من مفهوم الحماية التقليدية إلى الإدارة الذكية القائمة على القيمة، التي توظف الابتكار والذكاء الاصطناعي وتحافظ في الوقت نفسه على الأصالة وتعزز اقتصاد التجربة.
وأكدت سعيسعة أن حماية التراث لم تعد مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها، بل أصبحت مسؤولية مجتمعية مشتركة، تقوم على اعتبار المواطن والزائر شريكين في الحفاظ على القيمة التراثية للموقع وصون أصالته.
وأوضحت أن ذلك يبدأ بترسيخ الوعي بأهمية التراث والالتزام بالسلوك المسؤول داخل المواقع الأثرية، واحترام التعليمات، وعدم الإضرار بالعناصر الأثرية أو الطبيعية، والمحافظة على نظافة الموقع.
وأضافت أن دعم الحرف التقليدية والمنتجات المحلية يعزز دور المجتمعات المحلية في حماية التراث وتحويل المواقع التراثية إلى محرك للتنمية الاقتصادية.
كما أشارت إلى أن الزوار يمكنهم المساهمة في حماية التراث عبر استخدام التطبيقات الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي، التي تقدم محتوى علمياً موثوقاً وتجارب تفاعلية تعزز فهم قصة المكان وقيمته الحضارية، وتحول الزيارة إلى تجربة معرفية مسؤولة.
وأكدت أن حماية التراث وتطوير السياحة مسؤولية تكاملية تتطلب شراكة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمعات المحلية.
وأوضحت أن وزارة السياحة والآثار، ودائرة الآثار العامة، وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وسلطة إقليم البترا، تضطلع بمسؤولية وضع السياسات، وتطوير التشريعات، وإعداد خطط إدارة المواقع وفق معايير اليونسكو، بما يحقق التوازن بين حماية الأصالة وتعزيز التنمية السياحية.
وأضافت أن القطاع الخاص يؤدي دوراً محورياً في الاستثمار في المنتجات السياحية المبتكرة وتحسين الخدمات وتطوير تجربة الزائر، فيما تمثل الجامعات ومراكز البحث العلمي بيت الخبرة الوطني في تطوير المعرفة وإعداد الكفاءات المتخصصة وإجراء البحوث التطبيقية وتوظيف التقنيات الحديثة لدعم إدارة المواقع التراثية.
وأكدت أن نجاح الأردن في إدارة تراثه مستقبلاً يعتمد على بناء منظومة وطنية متكاملة تربط بين حماية التراث والابتكار والاقتصاد، وتحول المواقع التراثية إلى محركات للتنمية المستدامة والاقتصاد الإبداعي.
وفي ختام حديثها، أكدت سعيسعة أن تعزيز مكانة الأردن كوجهة سياحية عالمية يتطلب تبني رؤية تقوم على الإدارة المستدامة للتراث، والانتقال من الترويج للمواقع إلى تطوير منتجات سياحية ذكية قائمة على اقتصاد التجربة، بحيث يعيش الزائر قصة المكان من خلال تجارب تفاعلية تجمع بين التراث والثقافة والطبيعة والتكنولوجيا.
وأضافت أن من أبرز المبادرات المستقبلية توظيف الذكاء الاصطناعي، والتوأم الرقمي، وتقنيات الواقع المعزز والافتراضي، وإنشاء منصات رقمية تفاعلية، وربط مواقع التراث العالمي بالمواقع الطبيعية ضمن مسارات سياحية متكاملة تعكس تنوع الأردن الثقافي والبيئي.
كما دعت إلى الاستثمار في البحث العلمي، وتمكين المجتمعات المحلية، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات، بما ينسجم مع توجهات اليونسكو ومنظمة الأمم المتحدة للسياحة وأهداف التنمية المستدامة، ويسهم في تحويل التراث الثقافي والطبيعي الأردني إلى منتج سياحي مستدام يحافظ على الأصالة ويعزز تنافسية المملكة إقليمياً وعالمياً.
واختتمت بالتأكيد أن مستقبل السياحة في الأردن لن يُبنى على كثرة الزوار، بل على جودة التجربة، والابتكار في إدارة التراث، والقدرة على تحويل الهوية الثقافية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، دون المساس بأصالة المكان أو إرثه الحضاري.





