صدى الشعب-جهاد الفار
حين تتكشّف الحقائق وتسقط الأقنعة
اقتربت الساعة وانشق القمر، آية قرآنية لم تأت لتخبر عن معجزة زمنية فحسب، بل لتعلن أن البشرية دخلت طورها الأخير، وأن بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت علامة فاصلة بين بداية العدّ التنازلي ونهايته. أكثر من أربعة عشر قرنًا مرّت منذ نزول هذه الآية، ومع ذلك فإن ما نعيشه اليوم يؤكد أن الزمن لم يعد يتسع، وأن العالم يقف على حافة أخلاقية غير مسبوقة. فبحسب ما يُعرف بالساعة الكونية، نحن نعيش الثواني الأخيرة من عمر هذا الكون، لا من حيث الزمن فقط، بل من حيث المعنى والغاية.
العالم الحديث، رغم تقدمه العلمي الهائل، يشهد انهيارًا أخلاقيًا متسارعًا، حيث لم تعد الخطايا تُرتكب في الظل فقط، بل تُدار وتُحمى وتُبرَّر. قضية إبستين وما كُشف عنها من وثائق مسرّبة رسمية وشهادات موثقة لم تكن مجرد فضيحة شخصية، بل دليلًا صريحًا على أن الجريمة حين ترتبط بالنفوذ تتحول إلى منظومة، وحين يكون الجناة من أصحاب القرار تُدفن الحقيقة أو تُؤجَّل. تلك الوثائق لم تكشف أسماء فحسب، بل كشفت عالمًا يمارس الدعارة والاستغلال والاتجار بالبشر تحت غطاء السياسة والمال، ويقدّم نفسه في العلن بوصفه حارس القيم والحرية.
هذا الانفصام الأخلاقي لم يعد استثناءً، بل أصبح سمة العصر. عالم يُدين الجرائم انتقائيًا، ويغضّ الطرف عنها حين لا تخدم مصالحه، ويُعيد تعريف القتل إذا تغيّرت هوية الضحية. وهنا تقف غزة كشاهد لا يمكن تجاهله، جرح مفتوح في ضمير الإنسانية، ومشهد مكثف لكل ما وصل إليه هذا العالم من قسوة. ما جرى في غزة ليس مجرد حرب، بل سلسلة من أبشع الجرائم التي شهدها التاريخ الحديث، قتل بلا تمييز، تدمير ممنهج، تجويع، اقتلاع للحياة من جذورها، وكل ذلك أمام عالم يدّعي التحضر بينما يمارس الصمت أو التبرير أو الشراكة غير المباشرة.
في غزة سقطت آخر الأقنعة، وتبيّن أن القيم التي يُنادى بها ليست عالمية، وأن الإنسان لا يُعد إنسانًا دائمًا، بل بحسب موقعه وجنسيته وقضيته. قلوب فقدت إنسانيتها، وأبصار رأت ولم تبكِ، وآذان سمعت ولم ترتجف، وكأن الفطرة نفسها تُنتزع من البشر انتزاعًا.
وسط هذا المشهد القاتم، يصبح التمسك بالدين فعل مقاومة، لا طقسًا شكليًا. يصبح الإيمان ثباتًا لا رفاهية، وصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وصف هذا الزمان بأن القابض على دينه كالقابض على الجمر. فالحق اليوم ثقيل، والصبر مُرهق، والوقوف مع المظلوم مكلف، لكن النجاة لا تكون إلا بالثبات حين يتهاوى الجميع.
لسنا شهود مرحلة عادية، بل شهود انكشاف شامل، انكشاف فساد، وانكشاف ظلم، وانكشاف قرب النهاية. انشق القمر ليخبرنا أن الزمن ليس في صالح الغافلين، وما نراه اليوم من تساقط القيم وتعرّي المنظومات ليس إلا مقدمات.






