العزام لـ “صدى الشعب”: القوانين لا بالنصوص بل بقدرتها ترجمة الاستقلال المالي والإداري إلى واقع
العزام: المشرّع اختار في المسودة معالجة الصراع بطريقة براغماتية وليست ديمقراطية
العزام: الحل الحقيقي لا يكون بهدم المؤسسة المنتخبة بل بتطبيق معادلة الفصل الواضح بين الأدوار
العزام: إخضاع مشاريع البلديات الصغيرة والمتوسطة لاشتراطاته سيقتل مرونة الإدارة المحلية وينفر المستثمر
صدى الشعب – محمد الجعارات
أوضح مدير بنك تنمية المدن والقرى الأسبق أسامة العزام أن القيمة المضافة الحقيقية في مسودة مشروع قانون الادارة المحلية 2026 تكمن في محاولتها الانتقال بالبلديات من مفهوم (المؤسسة الخدمية إلى المؤسسة التنموية) التي تُعد رافعة للتنمية الاقتصادية المحلية، مشيراً إلى أن المسودة تحمل عناوين براقة ومتقدمة مثل إدخال “الموازنة التشاركية” وفصل الأدوار عبر استحداث “المدير التنفيذي”.
وأضاف أنه لا يمكننا وصفها بـ الثورة في اللامركزية حتى الآن، فالقوانين لا تُقاس بما تحويه من نصوص نظرية، بل بقدرتها على ترجمة الاستقلال المالي والإداري إلى واقع ملموس.
وأشار إلى أن بقاء بعض الصلاحيات مقيدة بالمركز، وترك التفاصيل الجوهرية للأنظمة المستقبلية، يجعلنا أمام خطوة إصلاحية جيدة تحتاج إلى إرادة حقيقية في التطبيق لنقل الصلاحيات والموارد فعلياً إلى الميدان.
معالجة الصراع بين المجلس التنفيذي ومجلس المحافظة
بين العزام أن المشرّع اختار في المسودة معالجة هذا الصراع بطريقة براغماتية وليست ديمقراطية، حيث أنهى الصراع عبر تغيير تركيبة مجلس المحافظة ليصبح بالتعيين والتمثيل غير المباشر (يضم رؤساء البلديات، وممثلي الغرف التجارية والنقابات).
وأشار إلى أنه من الناحية التنموية البحتة، يحوّل هذا المجلس إلى “منصة تكنوقراطية” توحد جهات التخطيط مع جهات التنفيذ وتمنع التضارب.
ولفت أيضاً إلى أنه من الناحية الديمقراطية، المسودة لم تفك الارتباط لصالح القرار الشعبي، بل على العكس، سلبت الناخب حقه في الاقتراع المباشر والرقابة على موازنة المحافظة، مقترحاً أن الحل الحقيقي للصراع لا يكون بهدم المؤسسة المنتخبة، بل بتطبيق معادلة الفصل الواضح بين الأدوار، بحيث يشرّع المجلس ويراقب، وينفذ الجهاز الإداري باستقلالية تامة.
تقسيم الدوائر بين الاعتبارات التقليدية والهوية التنموية
وأشار العزام إلى أن تقسيم الدوائر وتصنيف البلديات لا يزال أسيراً للاعتبارات الديموغرافية والجغرافية الكلاسيكية ، موضحاً أن القانون لا يزال يصنف البلديات بناءً على عدد السكان وكونها مركز محافظة أو لواء، وكذلك الدوائر الانتخابية التي بُنيت على أساس الكثافة السكانية والتقسيمات الجغرافية التقليدية.
وأضاف أنه ورغم أن المسودة تضمنت لاحقاً معايير متقدمة (مثل نسب الفقر والبطالة والميزة التنافسية) لغايات توزيع عوائد الضرائب والمخصصات، إلا أن الهيكل الأساسي للدوائر لم يُبنَ على فكرة العناقيد الاقتصادية أو الهوية التنموية للمنطقة التي تدمج الموارد المتشابهة في بوتقة إدارية واحدة.
أدوات مراقبة أداء المجالس المنتخبة
وبين العزام أن المسودة حسّنت من أدوات الرقابة المؤسسية مقارنة بالماضي، حيث استحدثت “لجنة الحوكمة والمتابعة المؤسسية”، وألزمت المدير التنفيذي بتقديم تقارير أداء شهرية وربعية، وفرضت نشر البيانات عبر المواقع الإلكترونية لتفعيل المساءلة المجتمعية.
لكنه أشار إلى أن في غياب مؤشرات أداء قياسية (KPIs) وطنية واضحة ومُلزمة تقيس تكلفة الخدمة وجودتها، سيبقى التقييم ضبابياً ويعتمد على الانطباعات العامة، داعياً إلى أن ينص القانون صراحة على تطبيق مبدأ “القيمة الأفضل” (Best Value) بحيث لا تكتفي البلدية بتقديم الخدمة، بل تُثبت رقمياً أنها قدمتها بأفضل كفاءة وأقل كلفة ممكنة أسوة بالتجارب الدولية الناجحة.
حلول ابتكارية لتمويل البلديات المتعثرة
وأوضح العزام أن المسودة فتحت الباب نظرياً لأهم حل ابتكاري، وهو المنح المبنية على الأداء (Performance-Based Grants)، فقد أوردت معايير لربط التمويل الحكومي بكفاءة التحصيل المالي، والتميز في الإنجاز، ومستوى التنمية، مشيراً إلى أن الحل الأنسب يتمثل بمزج القروض من بنك تنمية المدن والقرى بمنح مالية كمكافأة للبلدية التي تُحسن أداءها وتضبط نفقاتها.
وأضاف أن العيب الخطير في المسودة أنها تركت تحديد الأوزان ونسب التوزيع لصلاحية مجلس الوزراء المطلقة دون معادلة شفافة ومنشورة، مما قد يحول هذا الحل الابتكاري إلى أداة استرضاء سياسي إذا لم تُنشر الأرقام للعلن لضمان التنافسية الإيجابية.
توسيع صلاحيات المجالس المحلية في الاستثمار والشراكات
وأشار العزام إلى أن المسودة منحت البلديات غطاءً تشريعياً واسعاً لاستثمار أملاكها وتشكيل لجان استثمار، وأجازت لها الدخول في ترتيبات تعاقدية لتشغيل وإدارة المشاريع الخدمية والتنموية.
لكنه حذر من أن المسودة وضعت أمام البلديات فخاً بيروقراطياً كبيراً عندما اشترطت أن تكون هذه الشراكات بما لا يتعارض مع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، موضحاً أن هذا القانون المركزي معقد جداً ومصمم للمشاريع الوطنية الكبرى، وإخضاع مشاريع البلديات الصغيرة والمتوسطة لاشتراطاته سيقتل مرونة الإدارة المحلية وينفر المستثمر المحلي.
وخلص العزام إلى ضرورة الإسراع في إصدار النظام الخاص المذكور في المادة، بحيث يعفي مشاريع البلديات ذات السقوف المالية المحددة من تعقيدات القانون المركزي، ويوفر لها مساراً سريعاً (Fast-Track) يتيح لها توليد فرص العمل الحقيقية لسكان المحافظات.






