صدى الشعب – راكان الخريشا
قالت نائب أمين عام حزب نماء، فاديا إبراهيم، إن الإشكالية لم تعد تُختزل في ضعف تأثير عابر، بل باتت تعكس أزمة مركبة تتشابك فيها العوامل السياسية مع القانونية، وتتداخل فيها الثقافة المجتمعية مع البنية التنظيمية والمصالح، ما يجعل المشهد الحزبي أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح.
وترى إبراهيم أن عجز الأحزاب عن التأثير في القرار السياسي لا يرتبط فقط بنصوص القوانين، بل بطبيعة النظام السياسي ذاته، الذي لم يصل بعد إلى مرحلة الحكومات الحزبية بالمعنى الكامل.
وتوضح أن استمرار تشكيل الحكومات بعيدًا عن نتائج العمل الحزبي والبرلماني يُضعف الحافز الحقيقي لنمو الأحزاب، لافتة إلى أن المواطن يدرك أن صوته الحزبي لا ينعكس مباشرة على شكل الحكومة، ما يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالمشاركة، وبقاء الأحزاب في هامش التأثير لا في مركزه.
وتشير إلى أن البيئة التشريعية، رغم ما شهدته من تطوير، لا تزال تعاني من فجوة بين النص والتطبيق، حيث لا تواكب بعض الممارسات الإدارية والتنفيذية هذا الانفتاح، إلى جانب تعقيدات في متطلبات تأسيس الأحزاب وانتشارها، خصوصًا في مجتمع لم يترسخ فيه العمل الحزبي تاريخيًا بشكل مستقر.
وتؤكد أن الأزمة الأكبر تكمن داخل الأحزاب نفسها، إذ تعاني كثير منها من غياب الهوية السياسية الواضحة، فلا يستطيع المواطن التمييز إن كانت أحزابًا برامجية أم شخصانية، أو تحديد توجهاتها الفكرية بدقة. كما تلفت إلى ضعف حضور القيادات الشابة، نتيجة استمرار الوجوه ذاتها لسنوات طويلة، ما يحد من تجديد الأفكار والدماء داخل العمل الحزبي.
وتضيف أن الخطاب الحزبي في كثير من الأحيان يفتقر إلى الواقعية، حيث تُطرح شعارات كبيرة دون وجود خطط تنفيذية واضحة، الأمر الذي يُفقد الأحزاب مصداقيتها أمام الشارع. كما تنتقد ما وصفته بـ”العمل الموسمي”، حيث تنشط الأحزاب خلال الانتخابات فقط، ثم تغيب عن المشهد العام، ما يعمّق الفجوة مع المواطنين.
وفيما يتعلق بثقة الأردنيين، توضح إبراهيم أنها لا تزال متدنية، نتيجة تراكمات تاريخية شهدت فيها الأحزاب فترات من الضعف أو التضييق، ما خلق فجوة نفسية بينها وبين المجتمع. كما تشير إلى غياب النماذج الحزبية الناجحة التي وصلت إلى السلطة وحققت إنجازات ملموسة، إضافة إلى ترسخ صورة نمطية تربط الأحزاب بالمصالح الشخصية أو الصراعات الداخلية.
وتؤكد أن المسؤولية في معالجة هذه الأزمة تتوزع بوضوح، فالحكومة مطالبة بخلق بيئة حقيقية داعمة للعمل الحزبي، ليس فقط من خلال التشريعات، بل عبر الممارسة، مثل التوجه مستقبلاً نحو ربط تشكيل الحكومات بالأغلبية الحزبية. وفي المقابل، ترى أن الأحزاب مطالبة بإعادة بناء نفسها من الداخل، من خلال تقديم برامج واقعية، وتعزيز الشفافية، والانفتاح على الشباب والتفاعل المستمر مع الشارع.
وتختم إبراهيم إن مسار التحديث السياسي في الأردن قائم، لكنه يسير بعقلية التدرج الحذر، وهو أمر قد يكون مبررًا من زاوية الحفاظ على الاستقرار، لكنه في الوقت ذاته يخلق حالة من الإحباط لدى الشارع الذي ينتظر نتائج ملموسة.
وتشدد على أن الأردن يقف اليوم أمام اختبار حقيقي لا يقتصر على تطوير القوانين، بل يمتد إلى تغيير الثقافة السياسية برمتها، معتبرة أن نجاح الأحزاب مرهون بقدرتها على إقناع المواطن بأن صوته داخل الحزب يمكن أن يصنع فرقًا حقيقيًا، وهو ما يتطلب كسر الحلقة التقليدية القائمة بين دولة لا تثق تمامًا بالأحزاب، وأحزاب لا تقنع الشارع، وشارع لا يؤمن بجدوى المشاركة.






