النوايسة: الدبلوم المهني شرط لصناعة معلم ملهم وبناء جيل مبتكر
النوايسة: الدبلوم يحمي حق الطلبة ويرفع جودة التعليم
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم عالميًا، وتصاعد الدعوات لإعادة بناء المنظومات التربوية على أسس أكثر مرونة وكفاءة، برزت توجهات رسمية نحو إحداث نقلة نوعية في إعداد المعلم، بوصفه حجر الأساس في أي عملية إصلاح تعليمي. ويأتي قرار اشتراط الحصول على دبلوم تأهيل المعلمين في هذا السياق، ليعكس تحولًا في فلسفة التعليم من التركيز على المعرفة النظرية إلى بناء كفايات مهنية قادرة على مواكبة متطلبات العصر.
ويفتح هذا التوجه الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة البرامج التأهيلية على إحداث أثر حقيقي داخل الغرفة الصفية، وليس فقط على المستوى النظري، إلى جانب دور التدريب الميداني في تجسير الفجوة بين الإعداد الأكاديمي ومتطلبات الممارسة العملية، فضلًا عن جاهزية المعلمين لمواكبة التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم.
تنظيم مهنة المعلم
وبهذا الإطار، أكد الخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة، أن التعليم يشكّل الركيزة الأساسية في مساري التطوير والتنمية، الأمر الذي دفع الدول إلى تطوير منظوماتها التربوية بما يتواءم مع متطلبات العصر وتوقعاته.
وأشار النوايسة خلال حديثه لـ”صدى الشعب” إلى أن الاستراتيجيات الحديثة باتت تركّز على إعداد الطلبة للحياة، عبر تزويدهم بأدوات إنتاج المعرفة والابتكار، وهو ما يستدعي وجود معلم ملهم وقادر على بناء جيل مبدع ومبتكر من خلال مناهج حديثة ومرنة تدرّس في مدارس عصرية.
وقال ، إن تحقيق هذا الهدف يتطلب نظاماً مهنياً شاملاً يرتبط بأداء المعلم، ويستند إلى التحفيز ويقوم على مسار وظيفي محدد، مبيناً أنه من هذا المنطلق جاء اعتماد الدبلوم المهني كشرط لمزاولة مهنة التعليم، ضمن إطار يركز على الأداء المهني للمعلمين، ويهدف إلى تنظيم المهنة وضمان امتلاكهم للتأهيل العلمي والمهني اللازم، بما يكفل حق الطلبة في تعليم متميز.
وأضاف أن الإجازة المهنية، من خلال اشتراط الدبلوم، تسعى إلى ترسيخ مكانة مهنة التعليم والمعلم في المجتمع، وتشجيع الإقبال عليها، وضمان عدم تسرب الكفاءات، فضلاً عن تحسين أداء المعلم عبر تحفيزه على اكتساب معارف وخبرات جديدة، إلى جانب توفير حوافز مادية ومعنوية قائمة على الكفاءة والإنتاجية، وتحديد مسارات مهنية وقيادية متخصصة، وتنظيم تقييم وتصنيف المعلمين، بما ينعكس إيجاباً على أدائهم المهني.
وأشار إلى أن هذا النظام يضمن حماية حق الطلبة في تعليم نوعي، ويكفل أن يتولى المهنة أشخاص يمتلكون التأهيل العلمي والمهني المطلوب، بما يعزز كفاية المنظومة التربوية.
سد الفجوة بين النظرية والتطبيق
لفت إلى أنه وبموجب النظام يُعتبر كل معلم يعمل حالياً في المؤسسات التعليمية، سواء في القطاعين العام أو الخاص، حاصلاً على إجازة مزاولة المهنة حكماً، فيما سيُطبق النظام على المعلمين الجدد ابتداءً من العام الدراسي 2027–2028.
وبيّن أن دبلوم ما قبل الخدمة يعد خطوة أساسية لرفع جودة مخرجات التعليم، إذ يهيّئ المعلم الجديد بالمعارف والمهارات التربوية التي لا توفرها الشهادة الأكاديمية وحدها، لافتاً إلى أن الدبلوم يساهم في تدريب المعلم على استراتيجيات التدريس الحديثة، وإدارة الصف، وقياس تعلم الطلبة، والتعامل مع الفروق الفردية، ما يساعده على دخول الميدان بثقة وكفاءة.
وأكد أن هذا التأهيل المسبق يضمن أن يبدأ المعلم رحلته المهنية وهو مدرك لواجباته المهنية والأخلاقية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة العملية التعليمية ومستوى الطلبة داخل الصف.
وفيما يتعلق بمدى إسهام الدبلوم في تحسين جودة التعليم داخل الغرفة الصفية، أوضح أن دبلوم ما قبل الخدمة لا يقتصر على الجانب النظري، بل يركّز على التطبيق العملي، من خلال تدريب المعلمين على استراتيجيات التدريس الحديثة، وإدارة الصفوف، وقياس تعلم الطلبة، والتعامل مع الفروق الفردية، بما يعزز كفاءتهم المهنية عند دخولهم الميدان التربوي.
وحول كفاية برامج التأهيل الحالية، قال النوايسة إن تدريب وتأهيل المعلمين يمثل أحد أهم محاور البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029، نظراً لتأثيره المباشر والعميق على جودة التعليم ومخرجاته، باعتبار أن المعلم هو المدخل الأساسي لعمليات التعلم والتعليم.
وأضاف أن هناك نوعين من البرامج المعتمدة حالياً، منها ما يرتبط بإعداد المعلمين قبل الخدمة في الجامعات، والتي تربط بين الجانبين النظري والعملي وتسهم في سد الفجوة بين النظرية والتطبيق، إلى جانب برامج أخرى تُقدَّم أثناء الخدمة حسب الحاجة والتطورات في العملية التعليمية، من خلال الوزارة أو الجهات الداعمة، وهي برامج مؤطرة بالتقييم ومعتمدة ضمن نظم الرتب، ما يجعلها قادرة على تلبية الاحتياجات الفعلية للميدان التربوي.
مقاومة التغيير واكتظاظ الصفوف وكثرة الأعباء ابرز التحديات
وفيما يخص التدريب الميداني، أكد أن التوازن بين إعداد المعلمين قبل الخدمة وتطويرهم أثناء الخدمة يعكس فهماً صحيحاً لعمليات إعداد وتطوير المعلمين، حيث يضمن دخول معلمين جدد يمتلكون مهارات التدريس الحديثة، مثل التقويم البنائي، وإدارة الصفوف، والتعامل مع الفروق الفردية، وفي الوقت ذاته يحد من فجوة الممارسات التقليدية من خلال تدريب المعلمين العاملين على استراتيجيات التعلم النشط وحل المشكلات.
وأوضح أن هذه البرامج التدريبية تنعكس بشكل مباشر على جودة العملية الصفية، من خلال تحسين استراتيجيات التدريس والتقويم، وتعزيز استخدام التكنولوجيا ومنصات التعليم الإلكتروني، إضافة إلى رفع دافعية الطلبة وتقليل مظاهر الملل الدراسي، فضلاً عن تمكين المعلمين من التعامل بفاعلية مع الطلبة ذوي الإعاقة.
وأشار إلى أن الأثر الأوسع لهذه الجهود يتمثل في تحسين المخرجات التعليمية، خصوصاً في المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والتفكير الرياضي، إلى جانب المهارات الرقمية ومهارات القرن الحادي والعشرين، مثل العمل الجماعي والتفكير النقدي والابتكار، بما يحقق مواءمة أفضل بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
وأكد أن التدريب المستمر يعزز من احترافية المعلم ويكرّس دوره كقائد للتعليم، لا مجرد ناقل للمعرفة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الرضا الوظيفي والاستقرار المهني، وبالتالي على جودة التعليم بشكل عام.
وفيما يتعلق بمدى جاهزية المعلمين لمواكبة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، أوضح أن المعلمين يتمتعون بدرجة عالية من الجاهزية، لعدة أسباب، أبرزها اشتراط التعيين من خلال الحصول على الدبلوم ما قبل الخدمة، ما يسهم في بناء قدرات عملية ونظرية لمواكبة هذه التحولات.
وأضاف أن ربط ترقية المعلمين ضمن نظام الرتب يشجعهم بشكل كبير على التدريب والمشاركة والتطبيق، خاصة وأن تقييم هذه البرامج يتم وفق أسس تعتمد أحياناً على التطبيق العملي، ما يعزز من دافعية المعلمين للانخراط في التغيير المطلوب في العملية التعليمية التعلمية.
وفيما يتعلق بالتحديات، أشار النوايسة إلى أن التمويل يشكل التحدي الأكبر أمام نجاح هذا المشروع على المدى البعيد، نظراً لارتفاع تكلفة التدريب مقابل محدودية المخصصات المالية في الموازنة الحكومية.
وأضاف أن من بين التحديات أيضاً مقاومة التغيير لدى بعض العاملين في الميدان التربوي، إلى جانب اكتظاظ الصفوف وكثرة الأعباء، ما قد يعيق التطبيق الأمثل لبرامج التدريب، رغم أهميتها في تطوير العملية التعليمية.






