صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في مرحلة إقليمية تتسم بتقلبات سياسية واقتصادية متسارعة، يعيد الأردن ترتيب أولوياته التنموية والاقتصادية وفق مقاربة جديدة تقوم على تقليل الهشاشة وبناء قدرة داخلية أكبر على الاستمرار.
وهذا التحول لا يقتصر على تحسين الخدمات أو توسيع البنية التحتية، بل يتجه نحو إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواردها الحيوية، ضمن تصور أشمل للأمن الوطني يرتبط بالماء والطاقة والنقل والاقتصاد معًا.
وخلال السنوات الأخيرة، برز توجه واضح نحو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أكثر استدامة، تستند إلى مشاريع استراتيجية ضخمة، تمثل في مجموعها محاولة لتقليل الاعتماد على الخارج، وتعزيز القدرة على مواجهة الضغوط الإقليمية والاقتصادية المتغيرة.
المياه والطاقة.. من ملفات خدمية إلى عناصر سيادية
ويأتي ملف المياه في مقدمة التحديات التي تدفع بهذا التحول، فالأردن، الذي يعاني أصلًا من محدودية شديدة في الموارد المائية، لم يعد ينظر إلى هذا الملف باعتباره قضية تشغيلية مرتبطة بالتوزيع والاستهلاك، بل كعنصر سيادي يرتبط مباشرة باستقرار الدولة الاقتصادي والاجتماعي.
ضمن هذا السياق، يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه بوصفه أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ البلاد، بكلفة تصل إلى نحو 5.8 مليار دولار، وبقدرة متوقعة على تأمين قرابة 40% من احتياجات مياه الشرب في المملكة.
ويعتمد المشروع على تحلية مياه البحر ونقلها من العقبة إلى مختلف المحافظات، في خطوة تعكس انتقالًا نحو حلول داخلية أكثر استقلالية.
ولا يقتصر أثر المشروع على الجانب الكمي فقط، بل يمتد إلى تحسين مؤشرات التزويد المائي ورفع حصة الفرد من المياه، ما ينعكس بشكل مباشر على القطاعات الاقتصادية المختلفة، خصوصًا الزراعة والصناعة والسياحة، التي ترتبط بشكل وثيق بتوفر المياه.
في المقابل، يبرز ملف الطاقة كجزء مكمل لهذه المعادلة، من خلال مشاريع مثل تطوير حقل غاز الريشة، الذي يُنظر إليه كأداة محتملة لتقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز الاستقلال الطاقي النسبي، عبر زيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.
إلى جانب المياه والطاقة، يشهد قطاع النقل تحولات مهمة، أبرزها مشروع سكة حديد ميناء العقبة، الذي يتجاوز دوره التقليدي في نقل البضائع ليصبح جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تموضع الأردن على خريطة التجارة الإقليمية.
هذا المشروع، الذي يرتبط بشكل مباشر بالميناء الوحيد، يهدف إلى تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وخفض كلف النقل، وربط الأردن بشبكات لوجستية إقليمية أوسع. وفي ظل التغيرات في مسارات التجارة العالمية، يكتسب هذا النوع من المشاريع أهمية إضافية، باعتباره وسيلة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما أن تطوير منظومة النقل لا ينعكس فقط على التجارة الخارجية، بل يساهم في تحسين حركة الاقتصاد الداخلي، من خلال تقليل الكلف التشغيلية على القطاعات الإنتاجية، وتسهيل تدفق السلع والخدمات.
أرقام ضخمة وأثر اقتصادي واسع
ومن أبرز ملامح التحول الحالي اعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كأداة أساسية لتنفيذ المشاريع الكبرى. هذا النموذج يتيح توزيع المخاطر المالية والتشغيلية، ويخفف الضغط عن الموازنة العامة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استثمارات ضخمة تفوق قدرات التمويل التقليدي.
وتقوم هذه المقاربة على استقطاب التمويل المحلي والدولي، بما في ذلك مؤسسات مالية وبنوك وشركاء استراتيجيين، وهو ما يعكس مستوى من الثقة في الاقتصاد الأردني، رغم التحديات المرتبطة بالدين العام والضغوط المالية.
كما أن هذا التوجه يرتبط بمحاولة بناء بيئة استثمارية أكثر جاذبية، تقوم على الحوكمة والانفتاح، وتستهدف تعزيز مشاركة القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية، بما يرفع كفاءة التنفيذ ويعزز الاستدامة.
وتتجاوز القيمة الإجمالية للمشاريع الكبرى في قطاعات المياه والطاقة والنقل مليارات الدولارات، ما يجعلها من أكبر موجات الاستثمار في تاريخ الأردن الحديث.
وتشير التقديرات إلى أن هذه المشاريع ستوفر آلاف فرص العمل خلال مراحل الإنشاء والتشغيل، إضافة إلى آثار غير مباشرة على قطاعات البناء والخدمات والصناعة.
كما يُتوقع أن تسهم هذه المشاريع في تحسين بعض المؤشرات الاقتصادية على المدى المتوسط، من خلال تعزيز الإنتاجية وتقليل كلف التشغيل وتحسين كفاءة البنية التحتية، وهو ما قد ينعكس على معدلات النمو الاقتصادي.
لكن في المقابل، تظل كلفة هذه المشاريع عالية، سواء من حيث التمويل أو الالتزامات المستقبلية، ما يفرض تحديات تتعلق بكيفية إدارة الدين العام وضمان استدامة الإنفاق دون الإضرار بالاستقرار المالي.
نحو نموذج “الأمن المتكامل”
وتُظهر هذه المشاريع مجتمعة أن هناك توجهًا نحو بناء نموذج اقتصادي وأمني أكثر تكاملًا، لا يفصل بين المياه والطاقة والنقل، بل يربطها ضمن منظومة واحدة تهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الخارجية.
وهذا النموذج يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن فصله عن أمن الموارد الحيوية، وأن الاستثمار في البنية التحتية ليس مجرد خيار تنموي، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستمرارية.
ويعكس هذا المسار تحولًا تدريجيًا في فلسفة إدارة الاقتصاد الأردني، من الاعتماد على الحلول الجزئية قصيرة الأمد، إلى بناء مشاريع كبرى ذات طابع استراتيجي طويل المدى.
ورغم التحديات المرتبطة بالكلفة والتنفيذ، فإن هذه المشاريع تمثل رهانًا على المستقبل، يقوم على تعزيز الاعتماد على الذات، وتقليل الهشاشة أمام الأزمات، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.






