خبراء إعلاميون لـ(صدى الشعب): الإعلام الرقمي غيّر الأدوات ووسّع دائرة التأثير
صدى الشعب -أسيل جمال الطراونة
لم يعد الإعلام كما كان قبل عقدين من الزمن، ليس من حيث الجوهر، بل من حيث الأدوات والبيئة التي يعمل ضمنها ، فمع تسارع التحول الرقمي، برزت أسئلة جوهرية حول طبيعة الدور الذي يؤديه الإعلام، وحدود تأثيره، وعلاقته بالجمهور في ظل انفتاح غير مسبوق على مصادر المعلومات.
في هذا السياق، يؤكد الصحفي خالد القضاة أن الإعلام يبقى هو الإعلام من حيث المضمون والوظيفة، لكن ما تغيّر فعليًا هو الأدوات والوسائط التي تحمل هذا المحتوى.
ويوضح أن وسائل نقل المعلومات تطورت تاريخيًا بدءًا من الطباعة، مرورًا بالبث الإذاعي، ثم التلفزيون، وصولًا إلى شبكة الإنترنت التي أحدثت نقلة نوعية في آليات التواصل مع الجمهور.
ويشير القضاة إلى أن ظهور الإنترنت أوجد ما يُعرف بالإعلام الرقمي، الذي يعتمد على المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي كقنوات رئيسية لنشر المعلومات. هذه البيئة الجديدة، بحسب قوله، جعلت الإعلام أكثر انفتاحًا، حيث أصبح متاحًا للجميع، وعابرًا للحدود، وقائمًا على التفاعل ثنائي الاتجاه بدلًا من النموذج التقليدي أحادي الاتجاه.
ويضيف أن هذا التحول ألغى احتكار المؤسسات الإعلامية لعملية نشر الأخبار، إذ بات بإمكان الأفراد أنفسهم إنتاج المحتوى ونشره عبر منصاتهم الخاصة، ما خلق حالة من المنافسة بين الإعلام التقليدي ومصادر أخرى، مثل المؤسسات الرسمية والجمهور. كما أدى ذلك إلى تسارع غير مسبوق في تداول المعلومات، في كثير من الأحيان بعيدًا عن القيود التقليدية أو الرقابة المؤسسية.
وفيما يتعلق بأثر هذا التحول على المؤسسات الإعلامية، يلفت القضاة إلى أنها حاولت مواكبة التطور عبر إنشاء منصات رقمية خاصة بها، سواء من خلال مواقع إلكترونية أو حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف الوصول إلى جمهور أوسع وتعزيز سرعة النشر. إلا أن تأخر بعضها في التكيف أتاح المجال لجهات أخرى، مثل السياسيين والمؤسسات الرسمية، لبث رسائلهم مباشرة دون وسيط.
من جانبه، يرى الدكتور قصي رشدان، أستاذ الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك، أن التحولات الرقمية لم تغيّر فقط أدوات العمل الإعلامي، بل أعادت تشكيل دور الإعلامي ذاته.
ويؤكد أن الإعلامي لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في إنتاجه وصياغته وتوزيعه ضمن بيئة تفاعلية مفتوحة.
ويبيّن رشدان أن الإعلامي انتقل من دور “حارس البوابة” الذي يتحكم بتدفق المعلومات، إلى وسيط متعدد المهام يجمع بين التحرير والتحليل وصناعة المحتوى. ومع دخول الأفراد والمنصات الاجتماعية كمنافسين، بات على الإعلامي أن يقدّم محتوى قادرًا على جذب انتباه الجمهور، مع الحفاظ على معايير المهنية.
كما يشير إلى أن سرعة النشر في البيئة الرقمية فرضت تحديات جديدة على مستوى الدقة والمصداقية، إذ أدى السعي نحو السبق الصحفي إلى زيادة احتمالات نشر معلومات غير مكتملة أو غير دقيقة. وفي المقابل، برزت اتجاهات مهنية تعزز من أهمية التحقق الرقمي وصحافة تدقيق المعلومات، كوسيلة للحفاظ على ثقة الجمهور.
وعلى صعيد المهارات، يوضح رشدان أن الإعلامي المعاصر مطالب بإتقان أدوات جديدة تتجاوز الكتابة الصحفية التقليدية، مثل إنتاج الفيديو القصير، وإدارة المنصات الرقمية، وتحليل بيانات الجمهور، وفهم آليات عمل الخوارزميات. كما أصبحت المهارات السردية التي تتناسب مع طبيعة الجمهور الرقمي عنصرًا أساسيًا في العمل الإعلامي.
أما العلاقة مع الجمهور، فقد شهدت تحولًا جذريًا، حيث لم تعد علاقة أحادية الاتجاه، بل أصبحت تفاعلية تقوم على المشاركة والحوار. فالجمهور اليوم لا يكتفي بالتلقي، بل يعلّق وينتقد ويعيد نشر المحتوى، بل ويسهم أحيانًا في إنتاجه، ما يضع الإعلامي أمام مستوى أعلى من المساءلة والشفافية.
يتفق الخبراء على أن الإعلام الرقمي لم يُلغي دور الإعلام التقليدي، بل أعاد تشكيله ضمن بيئة أكثر تعقيدًا وتنافسية. وبينما تتسع دائرة الوصول إلى المعلومات، تبرز الحاجة المتزايدة إلى إعلام مهني قادر على تحقيق التوازن بين سرعة النشر ودقة المحتوى، في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل خلال ثوانٍ، وتصل إلى جمهور عالمي بضغطة زر.






