صدى الشعب – كتب أ.د.ليث كمال نصراوين
في سابقة دولية لافتة، لجأت إيران إلى الأمم المتحدة عبر رسالة رسمية وجهها مندوبها الدائم إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن، اتهمت فيها الأردن بتسهيل أعمال عدوانية ضدها، مهددة باتخاذ إجراءات قانونية بحقه، من ضمنها تحميله المسؤولية عن الأضرار البشرية والمادية التي لحقت بها.
غير أن هذه الادعاءات، مهما قُدمت في إطار رسمي، لا تصمد أمام الحقائق الميدانية الثابتة والنصوص القانونية التي تؤكد عكسها تماما.
فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، أن الأردن لم يكن في موقع الفاعل منذ اندلاع الحرب على إيران، بل كان في مركز الدولة التي انتهكت أجواؤها واستهدفت أراضيها بعدد كبير من الصواريخ والمسيرات، التي شكلت خطرا فعليا على أمنه الوطني وسلامة مواطنيه، الأمر الذي استدعى من القوات المسلحة الأردنية التصدي لها بكفاءة وبسالة.
فما قام به الأردن من التصدي لهذا العدوان على أراضيه لا يعد خيارا سياسيا، بل هو تجسيد لحقه في الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، والذي وصفته محكمة العدل الدولية في العديد من قراراتها بأنه حق أصيل لا ينتقص منه إلا في أضيق الحدود.
بل إن القضاء الدولي قد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين اشترط لقيام هذا الحق وجود تهديد حقيقي وفعلي، وهو ما يتوافر بوضوح في الحالة الأردنية التي واجهت أجساما عسكرية إيرانية اخترقت مجالها الجوي واستهدفته بشكل مباشر، بما يبرر قانونا اتخاذ إجراءات فورية لحماية سيادتها.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى مستوى أكثر خطورة، تمثل في قيام وسائل إعلام إيرانية بنشر قائمة بمنشآت حيوية في عدد من الدول العربية، ومن ضمنها الأردن، باعتبارها أهدافا حربية محتملة. وهذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد تصريح إعلامي عابر، بل يشكل تهديدا صريحا ومحددا يستهدف أعيانا مدنية محمية، كمنشآت الطاقة والمياه التي تعد من مقومات الحياة الأساسية.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الأسلحة النووية الصادر عام 1996 أن التهديد باستخدام القوة يخضع لنفس القيود القانونية التي تحكم استخدامها، مما يجعل التهديد بحد ذاته فعلا غير مشروع إذا كان موجها بشكل مخالف لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
كما استقر اجتهاد المحاكم الدولية، ولا سيما المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، على أن استهداف الأعيان المدنية أو حتى التهديد باستهدافها يشكل انتهاكا جسيما لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، خاصة عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية الحيوية التي تمس حياة المدنيين بشكل مباشر.
ولا تقل خطورة عن ذلك التناقضات الصارخة في الرواية الإيرانية؛ ففي الوقت الذي تتقدم فيه بشكوى أمام الأمم المتحدة بدعوى انتهاك القانون الدولي، تمارس على أرض الواقع سلوكا مغايرا تماما، يتمثل في إطلاق صواريخ ومسيرات عابرة للحدود، واستهداف مواقع في دول عربية ليست طرفا مباشرا في النزاع، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بأعيان مدنية.
وهذا النمط من السلوك لا يعكس فقط ازدواجية في الخطاب، بل يشكل خرقا واضحا لمبادئ التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني، التي تحظر استهداف المدنيين أو تعريضهم لمخاطر العمليات العسكرية.
وعليه، فإن محاولة تصوير الأردن كطرف في “أعمال عدوانية” تفتقر إلى أي أساس قانوني، بل تتهاوى أمام واقع واضح بأن الأردن دولة تمارس سيادتها، وتدافع عن أمنها، ولم يثبت في أي مرحلة أنه سهل أو شارك في أي عمل عدواني ضد إيران أو غيرها.
أما ما ورد في الرسالة الإيرانية من تحميل الأردن مسؤولية أضرار داخل إيران، فإنه يصطدم بمبدأ راسخ في القانون الدولي، يتمثل في ضرورة إثبات الفعل غير المشروع ونسبته إلى الدولة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية البوسنة ضد صربيا عام 2007 أن المسؤولية الدولية لا تقوم إلا عند توافر دليل واضح على الإسناد، وأن الاتهامات العامة أو غير المدعمة لا تكفي لترتيب أي أثر قانوني.
إن المفارقة الأبرز في هذا السياق، أن الدولة التي تلجأ إلى الأمم المتحدة بدعوى حماية القانون الدولي، هي ذاتها التي تنشر قوائم أهداف داخل دول أخرى، وتلوح باستهداف بنيتها التحتية الحيوية. وهذه الازدواجية لا تضعف فقط حجتها، بل تنسفها من أساسها.
ومن زاوية قانونية مغايرة، فإن المعطيات المتوافرة لا تقود إلى تحميل الأردن أي مسؤولية دولية، بل على العكس، تفتح المجال أمامه للجوء إلى الآليات الدولية وتقديم شكاوى ضد إيران، بالنظر إلى ما تعرض له من انتهاكات متكررة لمجاله الجوي وتهديدات طالت أمنه وسلامة أراضيه.
فالقانون الدولي لا يحمي الادعاءات المجردة، بل يكفل الحماية للدول التي تتعرض لاعتداءات أو تهديدات فعلية، وهو ما ينطبق على الحالة الأردنية بشكل واضح وجلي.
في المحصلة، تبقى الحقيقة واضحة لا مجال لنفيها؛ أن الأردن يمارس حقه المشروع في حماية سيادته في مواجهة اعتداءات إيرانية غير مشروعة، وبين الواقع والادعاء، لا يحتاج القانون الدولي إلى تفسير، بل إلى احترام.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية






