كتب رئيس التحرير خالد خازر الخريشا
أثارت تصريحات وزير العمل حول احتمال عجز مؤسسة الضمان الاجتماعي عن دفع رواتب المتقاعدين بحلول عام 2050 عاصفة من القلق والتساؤلات في الشارع الأردني فحين يصدر مثل هذا الكلام عن مسؤول في موقع القرار، فإنه لا يُقرأ كتحليل عابر، بل كرسالة تحمل دلالات خطيرة تمس واحدة من أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي في البلاد .
الضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة مالية تدير أرقاماً واستثمارات، بل هو حصيلة أعمار مئات آلاف الأردنيين الذين اقتطعوا من رواتبهم لسنوات طويلة وهم يثقون بأن هذه المؤسسة ستكون مظلتهم في شيخوختهم لذلك فإن الحديث عن احتمال العجز في دفع الرواتب مستقبلاً يضع علامات استفهام كبيرة حول الرسائل التي تريد الحكومة إيصالها للمجتمع .
هل نحن أمام تحذير حقيقي مبني على دراسات اكتوارية دقيقة ؟ أم أن هذه التصريحات تأتي تمهيداً لسياسات أو تعديلات قد تمس حقوق المشتركين والمتقاعدين ؟ السؤال الذي يفرض نفسه : لماذا يُطرح هذا السيناريو المقلق الآن، وما الهدف من بث مثل هذه المخاوف في مجتمع يعتمد على الضمان كخط أمان اقتصادي واجتماعي ؟
إن الأمن الاجتماعي للمواطنين لا يقل أهمية عن الأمن السياسي أو الاقتصادي، وأي خطاب رسمي يمس الثقة بمؤسسة الضمان يجب أن يكون محسوباً بدقة فالثقة التي بناها الأردنيون مع هذه المؤسسة على مدى عقود لا يجوز أن تهتز بتصريح عابر أو قراءة غير مكتملة للأرقام .
الأردنيون اليوم لا يريدون سماع سيناريوهات مقلقة بقدر ما يريدون إجابات واضحة : كيف تُدار استثمارات الضمان ؟ وما هي خطط تعزيز استدامته المالية ؟ ولماذا تُطرح فرضية العجز بدل الحديث عن خطط الإنقاذ والتطوير؟
إن مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست مجرد صندوق مالي، بل هي قضية تمس كرامة الإنسان الأردني ومستقبله وأمنه المعيشي ولذلك فإن أي حديث عنها يجب أن يطمئن الناس لا أن يثير مخاوفهم، ويعزز الثقة لا أن يزرع الخوف على مستقبلهم .
السؤال هل يبث وزير العمل الخوف والرعب في نفوس الاردنيين على مستقبل الضمان وأمنهم المعيشي؟ لم تكن تصريحات وزير العمل حول احتمال عجز مؤسسة الضمان الاجتماعي عن دفع رواتب المتقاعدين بحلول عام 2050 مجرد حديث عابر، بل جاءت كجرس إنذار أثار قلقاً واسعاً في الشارع الأردني فالضمان الاجتماعي ليس صندوقاً مالياً عادياً، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاجتماعي، وملاذ مئات الآلاف من العاملين الذين اقتطعوا من قوت يومهم لسنوات طويلة انتظاراً لتقاعد يحفظ لهم كرامتهم .
مثل هذه التصريحات ، عندما تصدر عن مسؤول في موقع القرار، لا يمكن أن تمر مرور الكرام فهي تفتح باب التساؤلات على مصراعيه : هل نحن أمام أزمة حقيقية تهدد مستقبل الضمان ؟ أم أن الأمر يتعلق بتقديرات بعيدة المدى تستخدم للتمهيد لقرارات أو تعديلات قد تمس حقوق المشتركين وكلا التصريحين مر؟
الأخطر في الأمر أن الحديث عن عام 2050، رغم بعده الزمني، قد يزرع الشك في نفوس الأجيال الشابة التي تدفع اشتراكاتها اليوم وهي تتطلع إلى مستقبل آمن فكيف يمكن إقناع العامل بدفع جزء من راتبه شهرياً إذا كان يسمع من المسؤولين أنفسهم أن المؤسسة قد تعجز يوماً عن الوفاء بالتزاماتها ؟
الضمان الاجتماعي ليس مجرد أرقام في تقارير اكتوارية ولا حتى لوزراء عابرين للكراسي، بل هو عقد ثقة بين الدولة والمواطن وأي تصريح يهز هذه الثقة دون تقديم شرح شفاف وخطة واضحة للإصلاح قد يتحول إلى عامل قلق مجتمعي لا مبرر له .
إن المطلوب اليوم من الحكومة ليس إطلاق التحذيرات المجردة، بل تقديم الحقائق كاملة للرأي العام : أين تقف استثمارات الضمان ؟ وما هي خطط تعزيز الاستدامة المالية ؟ وكيف ستضمن الدولة حماية حقوق المشتركين والمتقاعدين لعقود قادمة ؟
فالضمان الاجتماعي في نهاية المطاف ليس ملفاً اقتصادياً فقط ، بل قضية تمس الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني وأي خطاب رسمي حوله يجب أن يكون محسوباً بدقة ، لأن الثقة حين تهتز يصعب ترميمها او ترقيعها نعم تصريحات الوزير مقلقة وتزرع الخوف في قلوب الأردنيين على مستقبل الضمان ؟
الحديث عن عام 2050 ليس رقماً عابراً، بل يتعلق بأجيال كاملة من الأردنيين الذين يبنون خطط حياتهم على أساس وجود مظلة الضمان الاجتماعي لذلك فإن المسؤولية تقتضي تقديم خطاب اقتصادي متوازن يشرح الحقائق كاملة: ما هي التحديات ؟ وما هي الحلول ؟ وما هي الإجراءات التي تضمن استدامة الصندوق ؟ الأخطر من ذلك أن إطلاق مثل هذه التصريحات دون تقديم خطة واضحة للإصلاح قد يخلق حالة من عدم الثقة، ويطرح تساؤلات كبيرة حول إدارة الاستثمارات وسياسات التوسع والإنفاق داخل المؤسسة خلال السنوات الماضية.
إن المطلوب اليوم ليس بث القلق، بل تقديم رؤية واضحة تعزز الثقة بمؤسسة الضمان الاجتماعي، وتؤكد أن أموال المشتركين هي خط أحمر لا يجوز المساس به فالأمن الاجتماعي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني، وأي اهتزاز في هذه الثقة ينعكس مباشرة على الاستقرار المجتمعي والاقتصادي في البلاد .





