الراعي: حماية الأطفال في الفضاء الرقمي مسؤولية قانونية ومجتمعية
ملحس: بعض الألعاب الكرتونية تخفي محتوى نفسياً صادماً للأطفال
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية بين الأطفال، تتزايد المخاوف من بعض الألعاب التي تبدو بريئة في ظاهرها لكنها تخفي محتوى نفسياً مقلقاً قد يؤثر على سلوك الأطفال وصحتهم النفسية.
تحذيرات مديرية الأمن العام الأخيرة من لعبة Doki Doki Literature Club أعادت تسليط الضوء على مخاطر المحتوى الرقمي غير المناسب للأطفال، خاصة في ظل سهولة الوصول إليه عبر الهواتف الذكية والمنصات الإلكترونية.
وبين الحادث والاخر تتجدد التساؤلات حول كيف يمكن للأهل حماية أبنائهم من هذه المخاطر وما دور الرقابة الأسرية في تنظيم استخدام الأطفال للشاشات.
وبهذا الأطار، أكد خبراء أن انتشار الألعاب الإلكترونية بين الأطفال يشكل تحدياً يتطلب متابعة دقيقة من الأهل والجهات الرسمية، محذرين من أن بعض الألعاب التي تبدو بريئة قد تخفي محتوى نفسياً صادماً يؤثر على سلوك الأطفال وصحتهم النفسية.
وأشاروا خلال حديثهم لـ”صدى الشعب” إلى أهمية الإطار القانوني لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية، داعين إلى تعزيز التشريعات والرقابة على المحتوى الإلكتروني غير المناسب للقاصرين.
وبينوا أن دور الأهل في متابعة الألعاب والتطبيقات الرقمية، والاطلاع على تصنيف العمر وتجربة المحتوى قبل السماح للأطفال باستخدامه، يشكل عاملاً أساسياً للحد من التأثيرات النفسية السلبية وضمان استخدام صحي للتكنولوجيا.
ولفتوا إلى أن المتابعة الرقمية والرقابة الأسرية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والجهات الرقابية لضمان بيئة رقمية آمنة للأطفال وتنظيم استخدامهم للشاشات والألعاب الإلكترونية.
التطور الرقمي يتطلب تحديث التشريعات
إلى ذلك، قال الدكتور أشرف الراعي، أستاذ القانون الجنائي والخبير في الجرائم الإلكترونية إن التطور السريع في صناعة الألعاب الإلكترونية وازدياد استخدام الأطفال للمنصات الرقمية فرض وما يزال يفرض تحديات قانونية واجتماعية جديدة خاصة في ظل ظهور بعض الألعاب التي قد تتضمن محتوى نفسياً خطيراً أو سلوكيات محفوفة بالمخاطر تؤثر في سلوك الأطفال وسلامتهم النفسية.
وأوضح أن التشريعات الأردنية تتضمن عدداً من النصوص التي تهدف إلى حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، وإن لم تكن مخصصة حصراً للألعاب الإلكترونية، ويأتي في مقدمة هذه النصوص قانون الجرائم الإلكترونية الأردني الذي يجرم نشر أو تداول المحتوى الضار أو المضلل عبر الشبكة المعلوماتية، إضافة إلى قانون حماية حقوق الطفل الذي يؤكد حق الطفل في الحماية من جميع أشكال الاستغلال أو الإيذاء بما في ذلك المخاطر التي قد يتعرض لها في البيئة الرقمية.
وأشار الراعي خلال حديثه لـ”صدى الشعب” إلى أن هذه التشريعات تشكل إطاراً قانونياً مهماً يمكن الاستناد إليه في مواجهة أي محتوى رقمي يهدد سلامة الأطفال أو يؤثر في نموهم النفسي والسلوكي.
وبيّن أن المساءلة القانونية قد تمتد في بعض الحالات إلى الشركات أو المنصات الرقمية التي تتيح تحميل ألعاب تحتوي على محتوى خطير أو غير مناسب للأطفال، خاصة إذا ثبت أنها تسمح بنشر هذا المحتوى دون اتخاذ إجراءات كافية للتحقق من الفئات العمرية أو التحذير من المخاطر المحتملة.
تعزيز آليات تصنيف المحتوى العمري للألعاب
ولفت إلى أن العديد من الأنظمة القانونية الحديثة، تطالب الشركات التكنولوجية بقدر أعلى من المسؤولية فيما يتعلق بحماية المستخدمين القاصرين والامتثال لمعايير السلامة الرقمية.
وأضاف أن تعريض الأطفال بشكل متكرر أو متعمد لمحتوى رقمي ضار قد يُعد شكلاً من أشكال الإهمال أو التقصير في الرعاية الأسرية إذا ثبت أن الأهل كانوا على علم بالمخاطر ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة للحد منها.
وأشار إلى أن الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة، على مسؤولية الأسرة والدولة معاً في حماية الأطفال من أي محتوى قد يضر بصحتهم النفسية أو الأخلاقية.
وأكد أن الجهات الرقابية تلعب دوراً محورياً في الحد من وصول الأطفال إلى التطبيقات أو الألعاب الخطرة من خلال تطوير سياسات للرقابة الرقمية، وتعزيز آليات تصنيف المحتوى العمري للألعاب
، إضافة إلى إطلاق حملات توعية للأسر حول مخاطر بعض التطبيقات الرقمية، كما يمكن للجهات المختصة التعاون مع شركات التكنولوجيا لفرض ضوابط أكثر صرامة على المحتوى المتاح للقاصرين.
وأكد أن التحولات الرقمية المتسارعة تجعل من الضروري تطوير التشريعات الوطنية بشكل مستمر بما يواكب تطور البيئة الرقمية وصناعة الألعاب الإلكترونية.
وبين بأن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لم تعد قضية تقنية فقط، بل أصبحت قضية قانونية ومجتمعية وأمنية تتطلب تكاملاً بين التشريع والرقابة والتوعية المجتمعية، لضمان بيئة رقمية أكثر أمانا.
المتابعة الرقمية أصبحت مسؤولية أساسية للأهل في التربية
من جانبها أكدت اختصاصية الصحة الرقمية للأطفال نغم ملحس أهمية تعزيز دور الأسرة في متابعة استخدام الأطفال للألعاب الإلكترونية والتطبيقات الرقمية، محذرة من أن بعض الألعاب التي تبدو في ظاهرها كرتونية أو موجهة للأطفال قد تخفي محتوى نفسياً صادماً أو غير مناسب للفئات العمرية الصغيرة.
وقالت ملحس خلال حديثها لـ”صدى الشعب” إن ليس كل ما يبدو كرتونياً يعني أنه مناسب للأطفال، مشيرة إلى أن بعض الألعاب قد تُخفي داخلها محتوى نفسي صادم لا يتناسب مع أعمار الأطفال أو قدراتهم على الفهم والاستيعاب.
وأوضحت أن من المهم أن يعتمد الأهل على تصنيف العمر (Age Rating) عند اختيار الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى الاطلاع على مقاطع الفيديو الخاصة بها عبر منصة “يوتيوب” قبل السماح للأطفال بتنزيلها، وفي بعض الأحيان قد يكون من المفيد أن يقوم الأهل بتجربة اللعبة بأنفسهم إذا لزم الأمر للتأكد من طبيعة محتواها.
وأضافت أن القاعدة الأساسية في هذا المجال تقوم على أن أي تطبيق أو لعبة يجب أن يمر أولاً عبر الأهل قبل أن يصل إلى الطفل، وذلك لضمان سلامة المحتوى وحمايته من أي مواد قد تؤثر في صحته النفسية أو سلوكه.
وحول التأثيرات النفسية للألعاب، بينت أن التعرض المفاجئ لمحتوى مظلم أو صادم قد يسبب لدى الأطفال مشاعر القلق أو الخوف أو الارتباك النفسي، خصوصاً أن الأطفال في هذه المراحل العمرية لا يمتلكون القدرة الكافية على تفسير مثل هذا المحتوى أو فهم سياقه الحقيقي.
وأشارت إلى أن هذا النوع من المحتوى قد يترك آثاراً نفسية تمتد إلى الأحلام والنوم، وقد يعزز شعور الطفل بالخوف أو بعدم الأمان، لافتة إلى أن المشكلة تزداد عندما يظهر هذا المحتوى داخل لعبة تبدو بريئة في ظاهرها، إذ يدخل الطفل إليها دون أي استعداد نفسي لمثل هذه المشاهد أو الموضوعات.
الوقت الطويل غير المنظم والاستخدام غير المتوازن
وقالت إن من أبرز هذه المخاطر التنمر الإلكتروني، والتعرض للغة غير المناسبة، أو التواصل مع غرباء، إضافة إلى أن الأطفال في هذه المرحلة العمرية ما زالوا في طور تطوير عدد من المهارات الأساسية مثل التحكم بالاندفاع والتمييز والحكم على المواقف، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالمواقف والتفاعلات التي قد تحدث داخل الألعاب الجماعية على الإنترنت.
وحول تأثير الألعاب الإلكترونية على السلوك اليومي للأطفال، أوضحت ملحس أن الاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية قد يؤثر بشكل مباشر في عدد من جوانب حياة الطفل، مثل التركيز في الدراسة والانتباه، إضافة إلى تأثيره على مستوى النشاط البدني وجودة النوم وحتى العلاقات الاجتماعية.
وأضافت أن المشكلة لا تكمن في الألعاب بحد ذاتها، بل في الوقت الطويل غير المنظم والاستخدام غير المتوازن، إذ قد تتحول اللعبة في بعض الحالات إلى المصدر الأساسي للشعور بالمتعة أو الإنجاز لدى الطفل، ما قد يدفعه إلى الانسحاب تدريجياً من الأنشطة الأخرى المهمة لنموه النفسي والاجتماعي.
وأوضحت أن الحل لا يكمن في منع الأطفال تماماً من استخدام التكنولوجيا، بل في إدارتها بشكل واعٍ داخل المنزل.
ونصحت الأهل باتباع مجموعة من الخطوات العملية لتنظيم استخدام الشاشات والألعاب الإلكترونية، من بينها تحديد أوقات لعب واضحة، وإبقاء الأجهزة في المساحات المشتركة داخل المنزل، وعدم السماح بتحميل أي لعبة دون موافقة الأهل.
وأكدت أن هذه الإجراءات تمثل جوهر ما يعرف بالمتابعة الرقمية لضمان استخدام آمن ومتوازن للتكنولوجيا.
وأكدت على أن المتابعة الرقمية أصبحت مسؤولية جديدة في عالم التربية، مشيرة إلى أن على الأهل تبني هذا الدور بشكل واعٍ في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، بما يضمن توفير بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال ويساعدهم على استخدام التكنولوجيا بطريقة صحية ومتوازنة.






