صدى الشعب- أسيل جمال الطراونة
يؤكد الدكتور حذيفة أحمد الرحاحلة، اختصاصي علم النفس الإكلينيكي للأطفال والمراهقين، أنه في ظل المتغيرات المتسارعة والأحداث الجارية التي تلقي بظلالها على المنطقة، لم يعد الطفل مجرد مشاهد صامت لما يحدث حوله، بل أصبح شريكًا في استشعار القلق واختزان الصدمات النفسية.
ويشير إلى أن حماية الطفل اليوم لم تعد تقتصر على النصح أو التطمين، بل تتطلب استراتيجية متكاملة تتداخل فيها المسارات الطبية والنفسية والتربوية والحقوقية من أجل ضمان نموه السليم واستقراره النفسي.
وفيما يتعلق بالبعد الطبي العضوي، يوضح الرحاحلة أن تأثير الأحداث العنيفة لا يتوقف عند حدود الشعور بالخوف، بل يمتد ليؤثر في كيمياء الجسد ووظائفه الحيوية ،فالتعرض المستمر لصور العنف أو أخبار الكوارث يؤدي إلى استثارة مزمنة للجهاز العصبي الودّي، الأمر الذي يرفع مستويات هرمون “الكورتيزول” في الجسم بشكل دائم.
ويبين أن هذا النوع من الضغط النفسي، الذي يعرف بـ”الإجهاد السام”، قد يقود إلى عدة آثار صحية، من أبرزها تثبيط الجهاز المناعي، مما يجعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المتكررة ،كما قد يؤثر هذا الإجهاد في النمو العصبي، خاصة في المناطق المسؤولة عن الذاكرة والتعلم مثل الحصين، إضافة إلى ظهور ما يعرف بالأعراض السيكوسوماتية، كآلام الرأس أو المعدة، وهي أعراض جسدية لا تعود إلى أسباب عضوية مباشرة بل إلى ضغط نفسي مكتوم.
ومن الناحية النفسية الإكلينيكية، يلفت الرحاحلة إلى أن الطفل يبني شعوره بالاستقرار على مفهوم أساسي يتمثل في أن العالم من حوله قابل للتنبؤ ويمكن فهمه ،غير أن الأحداث العنيفة والمتسارعة قد تكسر هذا الإحساس بالأمان، مما قد يؤدي إلى إصابة الطفل بما يعرف بـ”كرب ما بعد الصدمة بالوكالة”، حيث يتأثر نفسياً بالأحداث حتى وإن لم يعايشها بشكل مباشر. كما يلاحظ المختصون في مجال الطفولة والمراهقة لجوء بعض الأطفال إلى ما يسمى “النكوص النمائي”، وهو العودة إلى سلوكيات عمرية سابقة كنوع من الاستجابة النفسية غير الواعية للبحث عن الأمان المفقود.
وفيما يخص الانعكاسات السلوكية للأحداث الجارية، يشير الرحاحلة إلى أن استجابات الأطفال تختلف باختلاف أعمارهم وظروفهم، إلا أنها غالبًا ما تظهر في ثلاثة مسارات رئيسية. يتمثل المسار الأول في الجانب الفسيولوجي، حيث يعاني بعض الأطفال من اضطرابات في النوم أو كوابيس متكررة، إضافة إلى فقدان الشهية أو التبول اللاإرادي بوصفه أحد مظاهر النكوص النمائي ، أما المسار الانفعالي فيظهر من خلال سرعة الاستثارة ونوبات الغضب المفاجئة، إلى جانب الشعور بالخوف من الانفصال عن الوالدين. وفي المقابل، يظهر المسار المعرفي في صورة تشتت في الانتباه وصعوبة في التركيز على الواجبات المدرسية، حيث يستهلك القلق جزءًا كبيرًا من الطاقة الذهنية لدى الطفل.
ويؤكد الرحاحلة أن الأسرة والمدرسة تمثلان خط الدفاع الأول في حماية الأطفال من الآثار النفسية للأحداث الجارية. فمن الناحية التربوية، يمكن للمدرسة أن تتحول إلى بيئة آمنة تسمح للطفل بالتعبير عن مشاعره والتفريغ الانفعالي من خلال الأنشطة الفنية واللعب الدرامي. أما على المستوى الأسري، فإن الحفاظ على ما يسمى “الروتين المقدس”، مثل انتظام مواعيد النوم والطعام والاستقرار العاطفي للوالدين، يمنح الطفل شعورًا بالطمأنينة، ويعزز إحساسه بأن نظام حياته لا يزال متماسكًا رغم الاضطرابات التي يشهدها العالم الخارجي.
ولا تقتصر حماية الطفل على الأبعاد الصحية والتربوية فقط، بل تمتد أيضًا إلى إطار قانوني وحقوقي واضح. وفي هذا السياق، يشير الرحاحلة إلى أن اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1989 وضعت مجموعة من الالتزامات التي تلزم الدول بضمان حماية الأطفال ورعايتهم ،فالمادة السادسة تنص على ضرورة ضمان بقاء الطفل ونمائه بمختلف أبعاده الجسدية والنفسية والاجتماعية، في حين تؤكد المادة التاسعة عشرة ضرورة حمايته من جميع أشكال العنف، بما في ذلك العنف النفسي، الأمر الذي يجعل تعرض الأطفال المستمر للمحتوى العنيف دون حماية نوعًا من التقصير في الرعاية. كما تؤكد المادة الثامنة والثلاثون على ضرورة توفير الحماية للأطفال في حالات النزاعات وضمان رعايتهم من الآثار النفسية للصدمات.
وفي ختام حديثه، يشدد الرحاحلة على أن الأحداث الجارية قد تنتهي في يوم من الأيام، إلا أن آثارها النفسية قد تبقى راسخة في ذاكرة الأطفال لفترات طويلة. لذلك فإن التعامل مع هذه التحديات يتطلب مسؤولية مجتمعية شاملة تقوم على الربط بين التشخيص الطبي والدعم النفسي والبيئة التربوية الداعمة، إضافة إلى توفير غطاء قانوني يحمي حقوق الأطفال.
كما يقدم الرحاحلة مجموعة من التوصيات الوقائية السريعة للحد من تأثير الأحداث الجارية على الأطفال، من أبرزها تقليل تعرض الأطفال دون سن الثانية عشرة لمشاهد العنف عبر وسائل الإعلام، وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم وتسميتها بوضوح مثل الخوف أو القلق، إضافة إلى الحفاظ على استقرار الوالدين الانفعالي باعتباره المصدر الأول لشعور الطفل بالأمان.
ويؤكد الرحاحلة إلى أن حماية الصحة النفسية للأطفال ليست رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل ضرورة إنسانية ووطنية، لأن المجتمعات لا تسعى فقط إلى مساعدة طفل على تجاوز آثار الأزمات، بل تعمل على بناء إنسان قادر على إعادة بناء العالم الذي رآه ينهار أمامه.






